الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٣٧ - التّفسير
و تشرح الآية آثار هذا التحجّر فتقول: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ...
و وَ نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ....
و لا يستبعد أن تكون علامات و آثار نبيّ الإسلام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التي أشير إليها في آيات قرآنية أخرى، جزءا من الأمور التي نسيها بنو إسرائيل- كما يحتمل أن تكون هذه الجملة القرآنية إشارة إلى ما حرفه أو نسيه جمع من علماء اليهود أثناء تدوينهم للتوراة من جديد بعد أن فقدت التوراة الأصلية، و إنّ ما وصل إلى هؤلاء من كتاب موسى الحقيقي كان جزءا من ذلك الكتاب و قد اختلط بالكثير من الخرافات، و قد نسي هؤلاء حتى هذا الجزء الباقي من كتاب موسى عليه السّلام.
ثمّ تتطرق الآية إلى ظاهرة خبيثة طالما برزت لدى اليهود- بصورة عامّة- إلّا ما ندر منهم، و هي الخيانة التي كانت تتكشف للمسلمين بين فترة و أخرى، تقول الآية الكريمة في هذا المجال: وَ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ [١] مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ....
و في الختام تطلب الآية من النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يعفو عن هؤلاء و يصفح عنهم، مؤكّدة أنّ اللّه يحب المحسنين، و ذلك في قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
و لنرى هل أنّ المراد في الآية أن يعفو النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن الأخطاء السابقة للأقلية الصالحة من اليهود، أم أنّ المراد هو العفو عن الأغلبية الطالحة منهم؟
إنّ ظاهر الآية يدعم و يؤيّد الاحتمال الثّاني، لأنّ الأقلية الصالحة لم ترتكب ذنبا أو خيانة لكي يطلب من النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم العفو عنهم- و الظن الغالب هو أنّ العفو
[١]- إنّ كلمة «خائنة» مع كونها اسما للفاعل، فهي في هذه الآية تكون بمعنى المصدر و تطابق كلمة الخيانة ... و قد جرت عادة العرب على استخدام مثل هذه الاستعمالات في أشعارهم حيث جاؤوا باسم الفاعل و عنوا به المصدر في كلمات مثل «العافية» و الخاطية» و قد احتملوا أيضا أنّ تكون كلمة «خائنة» صفة للطائفة.