الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٣ - العهود الرّبانية
الميثاق الفطري الذي أخذه منهم و الوفاء به.
و بديهي أنّ يشمل هذا العهد الواسع جميع المسائل و الأحكام الدينية.
و لا مانع مطلقا من أن تكون في هذه الآية إشارة إلى جميع العهود و المواثيق التكوينية و التشريعية التي أخذها اللّه أو النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المسلمين بمقتضى فطرتهم في مراحل مختلفة، و هنا يتوضح لنا الحديث القائل بأنّ المراد من الميثاق هو العهد الذي أخذه النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المسلمين في حجّة الوداع بخصوص ولاية علي بن أبي طالب عليه السّلام [١] و يتفق هذا التّفسير مع ما ورد أعلاه.
و قد أكّدنا مرارا أنّ التفاسير التي ترد على الآيات القرآنية، ما هي إلّا إشارة لواحد من المصاديق الجلية المعنية في كل آية، و لا تعني مطلقا انحصار المعنى بالتّفسير الوارد.
و تجدر الإشارة- أيضا- إلى أنّ كلمة «ميثاق» مشتقّة من المصدر «وثاقة» أو «وثوق» و تعني الشدّ المحكم بالحبل و أمثاله، كما يطلق على كل عمل يؤدي إلى راحة البال و اطمئنان الخاطر، حيث أنّ العهد يكون بمثابة عقدة تربط شخصين أو جماعتين أحدهما بالآخر، و لذلك سمّى «ميثاقا».
و في النهاية تؤكّد الآية على ضرورة التزام التقوى، محذرة أنّ اللّه محيط بأسرار البشر، و عالم بما يختلج في صدورهم، بقولها: وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
و تدل عبارة بِذاتِ الصُّدُورِ على أنّ اللّه عالم بأدقّ أسرار البشر المكنونة في أعماق نفوسهم و التي لا يمكن لأيّ مخلوق معرفتها غير صاحب السرّ و خالقه، أي اللّه العالم بذات الصدور.
و قد شرحنا في الجزء الأوّل من تفسيرنا هذا سبب نسبة العواطف و المشاعر و النوايا و العزائم إلى القلب أو إلى مكنونات الصدور.
[١]- تفسير البرهان، ج ١، ص ٤٥٤.