الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦ - غزوة حمراء الأسد
فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالخروج في طلب العدو قلنا:
لا تفوتنا غزوة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فو اللّه ما لنا دابة نركبها و ما منّا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كنت أيسر جرحا من أخي، فكنت إذا غلب حملته عقبة و مشى عقبة حتى انتهينا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى «حمراء الأسد».
فلما بلغ هذا الخبر أبا سفيان و أدرك صمود المسلمين، و الذي تجلّى في اشتراك الجرحى و المصابين خاف و أرعب، و لعله ظن أنه أدركت المسلمين قوّة جديدة من المقاتلين و أتاهم المدد.
هذا و قد حدثت في هذا الموضع حادثة زادت من إضعاف معنوية المشركين، و ألقت مزيدا من الوهن في عزائمهم، و هي أنه: مرّ برسول اللّه «معبد الخزاعي» و هو يومئذ مشرك، فلما شاهد النّبي و ما عليه هو و أصحابه من الحالة تحركت عواطفه و جاشت، فقال للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا محمّد و اللّه لقد عزّ علينا ما أصابك في قومك و أصحابك، و لوددنا أن اللّه كان أعفاك فيهم، ثمّ خرج من عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى لقى أبا سفيان و من معه بالرّوحاء و قد أجمعوا الرّجعة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فلمّا رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراك يا معبد؟ قال: محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر قط مثله يتحرقون عليكم تحرقا، و قد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم، و ندموا على صنيعهم، و فيه من الحنق عليكم ما لم أر مثله قط.
قال أبو سفيان: ويلك ما تقول؟ قال معبد: «فأنا و اللّه ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل».
قال أبو سفيان: فو اللّه لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصلهم.
قال معبد: فأنا و اللّه أنهاك عن ذلك.
فثنى ذلك أبا سفيان و من معه و قفل راجعا و منسحبا إلى مكّة بسرعة، و حتى يتوقف المسلمون عن طلبه و ملاحقته و يجد فرصة كافية للانسحاب قال