الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٤ - متى أكمل اللّه الدين للمسلمين
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ... و اللّه سبحانه و تعالى يقطع في هذه الآية وعدا على نفسه بأن يرسخ دعائم الدين، الذي ارتضاه للمؤمنين في الأرض.
و لمّا كان نزول سورة النور قبل نزول سورة المائدة، و نظرا إلى جملة رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً الواردة في الآية الأخيرة- موضوع البحث- و التي نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السّلام، لذلك كله نستنتج أنّ حكم الإسلام يتعزز و يترسخ في الأرض إذا اقترن بالولاية، لأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه اللّه و وعد بترسيخ دعائمه و تعزيزه، و بعبارة أوضح أن الإسلام إذا أريد له أن يعم العالم كله يجب عدم فصله عن ولاية أهل البيت عليهم السّلام.
أمّا الأمر الثّاني الذي نستنتجه من ضمن الآية الواردة في سورة النور إلى الآية التي هي موضوع بحثنا الآن، فهو أن الآية الأولى قد أعطت للمؤمنين و عودا ثلاثة:
أوّلها: الخلافة على الأرض.
و الثّاني: تحقق الأمن و الاستقرار لكي تكون العبادة للّه وحده.
و الثّالث: استقرار الدين الذي يرضاه اللّه في الأرض.
و لقد تحققت هذه الوعود الثلاثة في «يوم غدير خم» بنزول آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... فمثال الإنسان المؤمن الصالح هو علي عليه السّلام الذي نصب وصيّا للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و دلت عبارة الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ... على أن الأمن قد تحقق بصورة نسبية لدى المؤمنين، كما بيّنت عبارة: وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً إنّ اللّه قد اختار الدين الذي يرتضيه، و أقرّه بين عباده المسلمين.
و هذا التّفسير لا ينافي الرواية التي تصرح بأنّ آية سورة النور قد نزلت في شأن المهدي المنتظر عجل اللّه تعالى فرجه الشريف، و ذلك لأنّ عبارة آمَنُوا مِنْكُمْ لها معنى واسع تحقق واحد من مصاديقه في «يوم غدير خم» و سيتحقق