الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١١ - الإسلام و الهجرة
الطريف في هذا الأمر أنّ الهجرة- أي تلك الهجرة التي كانت لأجل حفظ النفس و حماية الشريعة الإسلامية- تعتبر مبدأ- أو بداية- التاريخ الإسلامي، و هي بذلك تعد البنية الأساسية لكل الأحداث السياسية و الاعلامية و الاجتماعية للمسلمين.
فلننظر لما ذا انتخبت هجرة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مبدأ- أو بداية- للتاريخ الإسلامي؟
إنّ هذا الموضوع جدير بالملاحظة، لأنّنا نعلم أن أي مجموعة بشرية صغرت أو كبرت، تتخذ لنفسها مبدأ أو بداية تاريخية تحسب منه تاريخها، فالمسيحيون مثلا اتّخذوا بداية تاريخهم السنة التي ولد فيها عيسى عليه السّلام، أمّا المسلمون فمع وجود أحداث مهمة كثيرة وقعت لهم قبل الهجرة، مثل يوم ولادة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و يوم البعثة المحمّدية الشريفة، و فتح مكّة، و وفاة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لكنهم لم يتخذوا أي واحد من الأحداث مبدأ أو بداية لتاريخهم، بل اعتبروا حادثة الهجرة وحدها بداية للتاريخ الإسلامي.
إنّ التاريخ يقول أنّ المسلمين بدأوا يفكرون بتعيين بداية تاريخهم الذي له أهمية عامّة و شاملة في زمن الخليفة الثاني الذي توسعت في عهده رقعة البلاد الإسلامية- و أنّ المسلمين بعد البحث الكثير في هذا الأمر، اختاروا رأي علي بن أبي طالب عليه السّلام باتّخاذ حادثة الهجرة النبوية الشريفة مبدأ و بداية للتاريخ الإسلامي [١].
و الحقيقة أنّ هذا الإختيار كان هو المتعيّن، لأنّ الهجرة كانت أهم و المع حدث أو برنامج حصل للإسلام، و كانت الهجرة مبدأ فصل جديد مهم في التاريخ الإسلامي، فالمسلمون حين وجودهم في مكّة كانوا يمارسون تعلم شؤونهم
[١]- تاريخ الطبري، الجزء الثاني، ص ١١٢، و يجب التنبيه إلى وجود رسائل من أيّام الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، مذيلة بالتاريخ الهجري. راجع كتاب (مكاتيب الرّسول) للأحمدي.