الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - الإسلام و الهجرة
الحياتية وفق دينهم الجديد (الإسلام) و لم تكن لديهم في هذه الحالة- على ما يبدو- أي قدرة سياسية و اجتماعية، و لكنهم بعد الهجرة شكلوا مباشرة الدولة الإسلامية التي تقدمت بسرعة فائقة- في كل المجالات- و لو أنّ المسلمين لم يذعنوا لأمر الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في اختيار الهجرة و فضلوا البقاء في مكّة، لما تيسر عند ذلك للإسلام أن يمتد خارج حدود مكّة، بل حتى كان من الممكن أن يقبر الإسلام في مكّة و يمحى أثره.
و يتّضح لنا أنّ الهجرة لم تكن حكما خاصا بزمن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، بل أنّها تجب على المسلمين متى ما تعرضوا لظروف مشابهة لتلك الظروف التي اضطرت النّبي و أصحابه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ترك مكّة و الهجرة إلى المدينة.
و القرآن يعتبر الهجرة في الأساس جوهرا لوجود الحرية و الرفاه، و قد أشارت الآية- موضوع البحث- إلى هذا الأمر، كما أن الآية (٤١) من سورة النحل تشير من جانب آخر إلى هذه الحقيقة، إذ تقول: وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً.
و تجدر الإشارة- أيضا- إلى هذه النقطة، و هي أنّ الهجرة في نظر الإسلام لا تقتصر على الهجرة المكانية و الخارجية، بل يلزم قبل ذلك أن تتحقق لدى الفرد المسلم هجرة باطنية في نفسه، يترك بها كل ما ينافي الأصالة و الكرامة الإنسانية، لكي يتيسر له بهذا السبيل إلى الهجرة المكانية- إذن فالهجرة الباطنية ضرورية قبل أن يبدأ الإنسان المسلم هجرته الخارجية- و إذا لم يكن هذا الإنسان بحاجة إلى الهجرة الخارجية، يكون قد نال درجة المهاجرين بهجرته الباطنية.
و الإساس في الهجرة هو الفرار من «الظلمات» إلى «النور» و من الكفر إلى الإيمان، و من الخطأ و العصيان إلى إطاعة حكم اللّه، لذلك نجد في الحديث ما يدل على أنّ المهاجرين الذين هاجروا بأجسامهم دون أن تتحقق الهجرة في بواطنهم و أرواحهم، ليسوا في درجة المهاجرين، و على عكس هؤلاء فإنّ من تتحقق لديه