الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - الإسلام و الهجرة
القبيلة و العائلة هما الشجرة الوحيدة التي تنبت في الصحراء، و لن يستطيع أحد الحياة دون اللجوء إليها، إلّا أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد قلع هذه الشجرة التي نمت بلحم و دم عائلته، و فعل ذلك من أجل ربه و خالقه (فقد فصم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علاقته بقريش في سبيل الإسلام) [١].
علاوة على ما ذكر فإن من بين جميع الموجودات الحيّة، حين تتعرض حياة أي واحدا أو مجموعة منها إلى الخطر، نراها تضطر إلى ترك مكان تواجدها و الهجرة منه إلى مأوى و ملجأ أمن آخر، و الكثير من أبناء البشر الأقدمين عمدوا إلى الهجرة من مكان ولادتهم- بسبب تغير الظروف الجغرافية فيه- إلى نقاط أخرى من العالم من أجل مواصلة الحياة، و ليس البشر وحدهم الذين مارسوا الهجرة، بل هناك من بين الحيوانات أنواع كثيرة عرفت بالحيوانات المهاجرة، مثل الطيور التي تضطر أحيانا إلى الدوران حول الأرض تقريبا من أجل إيجاد مأوى تواصل فيه حياتها، و بعض هذه الطيور تهاجر من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، و أحيانا تقطع مسافة حوالي (١٨) ألف كيلومتر للوصول الى المكان الذي تريد العيش فيه.
و هذه الشواهد هي خير دليل على أنّ الهجرة هي إحدى القوانين الخالدة للحياة، فهل يصح أن يكون الإنسان أقل حظا من الحيوان في هذا المجال؟
و حين تتعرض، حياته المعنوية، و كيانه و أهدافه المقدسة التي هي أثمن و أغلى من حياته المادية إلى الخطر، فهل يستطيع هذا الإنسان البقاء في مكان الخطر متشبثا بالأرض و المولد و غير ذلك متحملا ألوان الذل و الإهانة و الحرمان و سلب الحريات، و الأهم من ذلك كلّه زوال أهدافه التي يعيش من أجلها؟! أو أن عليه أن يختار قانون الطبيعة في الهجرة، و يترك ذلك المكان، و يختار مكانا آخر يتيسر فيه المجال لنموه المادي و المعنوي؟
[١]- محمّد خاتم الأنبياء، الجزء الأول.