الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - التّفسير
أمرناهم بأن يقتلوا أنفسهم (أي يقتل بعضهم بعضا) أو يخرجوا من وطنهم المحبب عندهم لما فعله إلّا قليل منهم.
إنّ مسألة «الاستعداد للقتل» تشبه- حسب قول بعض المفسّرين- مسألة «الخروج عن الوطن» من جهات عديدة، لأنّ البدن وطن الروح الإنسانية تماما كما أنّ الوطن مثل الجسم الإنساني، فكما أنّ التغاضي عن ترك وطن الجسم أمر صعب، كذلك التغاضي عن الوطن الذي هو مسقط رأس الإنسان و محل ولادته و نشأته.
ثمّ إنّ اللّه سبحانه يقول: وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً أي لو أنّهم قبلوا نصائح النّبي و مواعظه لكان ذلك من مصلحتهم، و لكان سببا لتقوية أسس الإيمان عندهم.
و الملفت للنظر أنّ القرآن يعبّر- في هذه الآية- عن الأحكام و الأوامر الإلهية بالموعظة، و هو إشارة إلى أنّ الأحكام المذكورة ليست أمورا تصب في مصلحة المشرّع (أي اللّه) أو تجر له نفعا، بل هي- في الحقيقة- نصائح و مواعظ نافعة لكم، و لهذا يقول و دون تأخير: وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً أي تقوية لإيمانهم و ترسيخا لجذورها في نفوسهم.
و لا بدّ أيضا أن ننتبه إلى هذه النقطة، و هي أنّ اللّه سبحانه يقول في ختام هذه الآية وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً أي كلّما اجتهد الإنسان في السير في سبيل طاعة اللّه و تنفيذ أوامره ازدادت استقامته و ازداد ثباته، و هذا يعني أن إطاعة الأوامر الإلهية نوع من الرياضة الروحية التي تحصل للإنسان من تكرارها قوة و ثبات أكبر و استحكام أكثر، على غرار ما يحصل للجسم نتيجة تكرار الرياضات الجسمية و التمارين الرياضية البدنية، فيصل الإنسان- نتيجة ذلك- إلى مرحلة لا يمكن لأية قدرة أن تغلب قدرته أو تخدعه أو تزعزعه.
ثمّ إنّه سبحانه يبيّن- في الآية الثّانية- الفائدة الثّالثة من فوائد التسليم لأوامر