الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - مصير المعاندين
ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ التهديد الأوّل ينطوي على جانب معنوي، و التهديد الثّاني ينطوي على جانب ظاهري و مسخ جسمي، و ذلك بقرينة أن اللّه قال في هذه الآية: كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ و نحن نعلم أن أصحاب السبت- كما يتّضح من مراجعة الأعراف- قد مسخوا مسخا ظاهريا و جسديا.
و ذهب آخرون إلى أن هذا اللعن و الطرد من رحمة اللّه ينطوي أيضا على جانب معنوي بفارق واحد، هو أنّ التهديد الأوّل إشارة إلى الانحراف و الضلال و التقهقر الذي أصابهم، و التهديد الثّاني إشارة إلى معنى الهلاك و الفناء (الذي هو أحد معاني اللعن).
خلاصة القول: إنّ أهل الكتاب بإصرارهم على مخالفة الحق يسقطون و يتقهقرون أو يهلكون.
ثمّ إنّ هنا سؤالا آخر هو: هل تحقق التهديد في شأن هؤلاء، أم لا؟
لا شك أنّ التهديد الأوّل قد تحقق في شأن كثير منهم، و أمّا التهديد الثّاني فقد تحقق في بعضهم، و لقد هلك كثير منهم في الحروب الإسلامية، و ذهبت شوكتهم و قدرتهم. و إنّ تأريخ العالم ليشهد كيف تعرضوا بعد ذلك لكثير من الضغوطات في البلاد المختلفة، و فقدوا الكثير من أفرادهم و عناصرهم، و خسروا الكثير من طاقاتهم، و لا يزالون إلى الآن يعيشون في ظروف صعبة و أحوال قاسية.
ثمّ إنّ اللّه يختم هذه الآية بقوله: وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ليؤكّد هذه التهديدات، فإنّه لا توجد قوّة في الأرض تستطيع أن تقف في وجه إرادة اللّه و مشيئته.