الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٧ - مصير المعاندين
. و لعلّنا لسنا بحاجة إلى أن نذكر بأنّ المراد من هذه العبارة هو تعطل عقولهم و حواسهم من حيث عدم رؤية حقائق الحياة و إدراكها، و الانحراف عن الصراط المستقيم كما جاء في حديث عن الإمام الباقر عليه السّلام من أنّ المراد: «نطمسها عن الهدى فنردّها على أدبارها في ضلالتها ذمّا لها بأنّها لا تفلح أبدا» [١].
توضيح ذلك أنّ أهل الكتاب، و بخاصّة اليهود منهم، عند ما أعرضوا عن الإذعان بالحق رغم كل تلك العلائم و البراهين، و عاندوا تعنتا و استكبارا و أظهروا مواقفهم المعاندة في أكثر من ساحة، صار العناد و الزور طبيعتهم الثانية شيئا فشيئا، و كأن أفكارهم قد مسخت و كأن عيونهم قد عميت و آذانهم قد صمت، و مثل هؤلاء من الطبيعي أن يتقهقروا في طريق الحياة بدل أن يتقدموا، و أن يرتدوا على الأدبار بدل أن يتحركوا إلى الأمام، و هذا هو جزاء كل من ينكر الحق عنادا و عتوا، و هذا في الحقيقة يشبه ما أشرنا اليه في مطلع سورة البقرة الآية (٦).
و على هذا، فإن المراد من «الطمس و عفو الأثر و الرّد على العقب» في الآية الحاضرة هو المحو الفكري و الروحي، و التأخر المعنوي.
و أمّا العقوبة الثانية التي هددهم اللّه بها فهي اللعن و الطرد من رحمته تعالى إذ قال: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ [٢].
و هنا يطرح سؤال و هو: ما الفرق بين هذين التهديدين، حتى يفصل بينهما ب «أو»؟
و خاصيته.
[١]- مجمع البيان، ج ٢، ص ٥٥، في ذيل الآية الحاضرة.
[٢]- أصحاب السبت هم الذين ستأتي قصّتهم في سورة الأعراف عند تفسير الآيات (١٦٣- ١٦٦) و هم جماعة من اليهود كانوا قد كلفوا بتعطيل العمل و الكسب في يوم السبت، و لكنّهم اشتغلوا بالصيد في ذلك اليوم بالرغم من نهى نبيّهم، فتجاوزوا في الطغيان الحدّ، فابتلاهم اللّه بأشد العقوبات.