الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - شهود يوم القيامة
و الآن يطرح هذا السؤال، و هو: كيف تتمّ شهادة الأنبياء على أعمال أممهم، و كيف تكون؟
إذا كانت كلمة «هؤلاء» إشارة إلى المسلمين كما جاء في تفسير مجمع البيان، فإن الجواب على هذا السؤال يكون واضحا، لأنّ كل نبيّ ما دام موجودا بين ظهراني أمّته فهو شاهد على أعمالهم، و بعده يكون أوصياؤه و خلفاؤه المعصومون هم الشهداء على أعمال تلك الأمّة، و لهذا جاء في حق المسيح عليه السّلام أنّه يقول في يوم القيامة في جواب سؤال اللّه سبحانه إيّاه: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ، وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [١].
و لكن بعض المفسرين احتمل أن تكون لفظة «هؤلاء» إشارة إلى شهود الأمم السابقة، يعني أنّنا نجعلك أيّها النّبي شهيدا على شهداء الأمم من الأنبياء، و قد أشير في بعض الروايات إلى هذا التّفسير [٢] و على هذا يكون معنى الآية هكذا: إنّ كل نبيّ شاهد على أعمال أمّته جميعها في حياته و بعد مماته عن طريق المشاهدة الباطنية و الروحانية، و هكذا الحال بالنسبة إلى رسول الإسلام، فإنّ روحه الطاهرة ناظرة- عن هذا الطريق أيضا- على أعمال أمّته و جميع الأمم السابقة، و بهذا الطريق يمكنه أن تشهد على أفعالهم و أعمالهم، بل و حتى الصلحاء من الأمّة و الأبرار الأتقياء منها يمكنهم الاطلاع و الحصول على مثل هذه المعرفة، فيكون المفهوم من كل ذلك وجود روح النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من بدء الخلق، لأنّ معنى الشّهود هو العلم المقترن بالحضور، و لكن هذا التّفسير لا ينسجم مع ما نقل عن السيد المسيح، لأنّ الآية المذكورة تقول: إنّ المسيح لم يكن شاهدا على أمّته جمعاء، بل كان شاهدا عليها ما دام في الحياة (فتأمل).
[١]- المائدة، ١١٧.
[٢]- راجع تفسير نور الثقلين و البرهان في ذيل الآية.