الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - شهود يوم القيامة
أمّا إذا أخذنا الشهادة بمعنى الشهادة العملية، يعنى أن تكون أعمال «فرد نموذجي» مقياسا و معيارا لأعمال الآخرين كان التّفسير حينئذ خاليا عن أي إشكال، لأنّ كل نبيّ بما له من صفات متميزة و خصال ممتازة يعدّ خير معيار لأمّته، إذ يمكن معرفة الصالحين و الطالحين بمشابهتهم أو عدم مشابهتهم له، و حيث إن النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو أعظم الأنبياء و الرسل الإلهيين كانت صفاته و أعماله معيارا لشخصية كل الأنبياء و الرسل.
نعم لا يبقى هنا إلّا سؤال واحد هو: هل جاءت الشهادة بهذا المعنى، أم لا؟
بيد أنّه مع الانتباه إلى أنّ أعمال الرجال النموذجيين و تصرفاتهم و أفكارهم تشهد عمليا على أنّه من الممكن أن يرقى إنسان ما إلى هذه الدرجة، و يطوي هذه المقامات و المراحل المعنوية لم يبد مثل هذا المعنى بعيدا في النظر.
عندئذ يندم الكفار الذين عارضوا الرّسول و عصوه، أي عند ما رأوا بأمّ أعينهم تلك المحكمة الإلهية العادلة، و واجهوا الشهود الذين لا يمكن إنكار شهاداتهم، إنهم يندمون ندما بالغا لدرجة أنّهم يتمنون لو أنّهم كانوا ترابا أو سووا بالأرض كما يقول القرآن الكريم في الآية الثانية من الآيتين الحاضرتين إذ يقول سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ.
و قد ورد مثل هذا التعبير في آخر سورة النبأ إذ يقول تعالى: وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً.
و لكن لفظة لَوْ تُسَوَّى تشير إلى مطلب آخر أيضا، و هو: إنّ الكفار مضافا إلى أنّهم يتمنون أن يصيروا ترابا، يحبّون أن تضيع معالم قبورهم في الأرض أيضا و تسوى بالأرض حتى ينسوا بالمرّة، و لا يبقى لهم ذكر و لا خبر و لا أثر.
إنّهم في هذه الحالة لا يمكنهم أن ينكروا أية حقيقة واقعة و لا أن يكتموا شيئا: وَ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً لأنّه لا سبيل إلى الإنكار أو الكتمان مع كل تلكم الشهود.