المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٥١٤ - حكم الشعر
فإن قلت: هلّا عددت الغناء أيضاً كيفيّة من التعبير، فإن كان مضمونه أمر حقّ كالدعوة إلى الخير والمنع من الشرور فأيّ فرق بينه وبين الكلام الفصيح من شعر ونثر؟! نعم، الفصيح من القول نوع يحقّقه تركيب من الكلام وتقديم لفظ أو تأخيره، والغناء من القول نوع تحقّقه كيفيّة أداء الكلام من ترقيق أو ترجيع أو خفض أو رفع في القول وهكذا؛ ولذا ذهب بعض إلى عدم حرمة الغناء بعنوانه حيث وقع في كلام حقّ أو قرآن، بل ربّما استثنوا الغناء في القرآن ونحوه حتّى مع حرمة الغناء.
قلت: وإن كان الغناء كيفيّة من التعبير، ولكنّه كيفيّة لهويّة تدعو إلى الشهوات الحيوانيّة؛ ولذا جعلت علامته والأمارة عليه استدعاءه الرقص والتصفيق وفرقعة الأصابع ونحو ذلك من علامات تحرّك الشهوة.
وهذا بخلاف الفصاحة؛ فإنّها كيفيّة تستلّذها الطباع بما لا تدعو إلى الشهوات، بل تبعث على التقى والخير أحياناً، ولا أقلّ من عدم دعوته إلى اللذائذ الحيوانية؛ ولذا تقدّم عن بعضهم ما حكيناه من أنّهم يعرفون مواضع السجود في الشعر، لا مواضع الانفلات إلى مباضعة النسوان وغيرهن، فافهم الفرق ولا تخلط.
وإليك مقطعاً ممّا قاله ابن أبي الحديد في الموضع المشار إليه آنفاً: ومن تأمّل هذا الفصل- يعني من كلام عليّ عليه السلام- علم صدق معاوية في قوله فيه: واللَّه ما سنّ الفصاحة لقريش غيره. وينبغي لو اجتمع....- تقدّم هذا الشطر آنفاً- وإنّي لأُطيل التعجّب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مناسب لطباع الأسود والنمور وأمثالهما من السباع الضارية، ثمّ يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحماً ولم يريقوا دماءً، فتارةً يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني