المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٥ - وجه آخر للمنع من التلقيح الصناعي والاستنساخ
والإنسان المتولِّد بغير صورة التلقيح الطبيعي مخلوق إلهي كسائر المخلوقات الإلهيّة، وإن كان للإنسان دور الوسيط في تهيئة الظروف المناسبة لتوليده، نظير توسّطه في عمليّة التلقيح الطبيعي للتوليد، والتي لا توجب استناد الخلق إلى غير اللَّه تعالى ولا هتكاً له؛ فإنّ كلّ شيء يتوصّل إليه الإنسان من العلم بالطبيعيّات ويصطلح عليه بالاختراع أو ما شاكله ليس إلّاسلوكاً في الطرق التي فتحها اللَّه لعباده واستخراجاً لكنوز خلقها اللَّه ودعا عباده لفتحها بالسير في الأرض والآفاق ومشاهدة آياته وبراهينه، وفي كلّ شيء له آية تدلّ على ربوبيّته وحكمته وعجائب قدرته. ولعمر الحقّ أنّ التوصّل إلى الأحكام الشرعيّة- وهي توقيفيّة- بمثل هذه التلفيقات ممّا لاينبغي لمن له معرفة بالمذهب وطريقة الفقهاء.
الأمر التاسع: وممّا يمكن الاستدلال به لعدم جواز الاستتئام أو الاستنساخ البشري هو أنّ ذلك مستلزم للفساد في الأرض؛ نظراً إلى إمكان تحويل الإنسان كوسيلة لمقاصد السوء بعد إمكان التصرّف تكويناً في الأجزاء المؤثّرة في الصفات والأخلاق والقوى النفسيّة من الغضبيّة والشهويّة وغيرهما، فيعمد إلى ذلك الظلمة، ويستحصلون عبرها على اناس لا تبتني فطرتهم على الصفات المحمودة التي عليها تبتني النظم الاجتماعية، فيخلقون أشخاصاً قُساة القلوب بل أشدّ قسوة من الحجارة- «وَ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهرُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُمِنْهُ الْمَآءُ وَ إِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» [١] ولكن تلك لا تلين ولا ترحم صغيراً ولا كبيراً، بل تدوس على الكلّ، ولربّما انقلبت على ربّها اللّاعب بها فدمّرته وأهلكته.
[١] البقرة: ٧٤.