المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٦ - مؤيّد لاستناد الجناية إلى السبب
وقد يكون نفي النسبة بدويّاً زائلًا بالتأمّل فيما هو المركوز من المعنى، كما تقدّم ويأتي أيضاً إن شاء اللَّه تعالى.
بل يمكن أن يقال: إنّ الانتساب لا يتوقّف على علم الغارّ، بل يكفي له التسبيب مع جهل المباشر، غايته أنّه مع عدم علم الغارّ لا يتحقّق منه العمد.
فمن قدّم إلى غيره طعاماً مسموماً وإن كان جاهلًا بذلك كان قاتلًا، كما أنّه سبب القتل، فالقتل منسوب إليه، كما أنّه مسبّب عنه وإن لم يكن متعمّداً في ذلك.
ولعلّ نفي نسبة الشيء الواقع إلى الجاهل مجاز بعناية تقدير العمد الذي لاينافي النسبة المطلقة حقيقة.
كما ربّما تنفى نسبة الشيء الواقع إلى السبب أيضاً بالتقدير المتقدِّم في الفرض.
وربّما يكون نفي النسبة بدويّاً ارتجاليّاً، مع عدم صحّة النفي والسلب حسب الارتكاز الذي هو المدار في الحقيقة والمجاز، بل لولاه لما أمكن لأهل المعرفة التفصيليّة بحقائق المعاني، فلاينبغي الاغترار بالخواطر البدويّة والاعتماد عليها في تحقيق المعاني.
وإلى هذا الأمر- نوعاً ما- يرجع أيضاً ما قيل من أنّ العبرة في تشخيص المعاني بالعرف الدقيق لا المسامحي، وإن كان يراد به أيضاً عدم العبرة في تشخيص المصاديق بالعرف، وإنّما هو محكّم في تشخيص المفاهيم خاصّة.
فقد تحصّل حتّى الآن استناد الجناية وغيرها من الأفعال التي لا تتقوّم في العرف بالمباشرة- حسب الضابط المتقدّم- إلى غير المباشر في موارد ثلاث:
أحدها: ضعف إرادة المباشر لصغر أو جنون أو كونه حيواناً.
ثانيها: جهل المباشر بسبب الجناية مع علم السبب وقصده، بل وبدونه.
ثالثها: أمر غير المباشر بالفعل بحيث يكون فعل المباشر ناتجاً عن أمر غيره.