المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤ - شبهات حول جواز التداوي بالمحرّمات مع الضرورة
ردّ الإشكال:
ويرد على الاستناد إلى هذه النصوص في مقابل قاعدة الاضطرار:
أوّلًا: إنّها خاصّة بالخمر، فأقصى ما تدلّ عليه عدم حلّ الخمر بالاضطرار إليها؛ ولا يمكن التعدّي إلى سائر المحرّمات إلّاقياساً محرّماً؛ بل قد عرفت فتوى الصدوق- بعد نقل حديث المنع- بجواز شرب الخمر في الضرورة.
وثانياً: إنّ ما تضمّنته رواية الحلبي هو عدم جواز التداوي بالمعجن بالخمر حتّى لغير الأكل، مع أنّه لم يعلم قائل به في فرض الاختيار فضلًا عن الضرورة.
وثالثاً: إنّ المنساق من خبر الكشي هو فرض الاعتياد القابل للرفع، فمن اعتاد فعلًا محرّماً من مسكر أو غيره بحيث يصعب عليه تركه فعليه المجاهدة مع النفس ليصرف نفسه عن التعوّد على ما عليه؛ وإلّا لسقط التكليف بالمحرّمات عن أغلب العصاة لتعوّدهم على المحرّمات بما يصعب صرف النفس عنها؛ وفيه ترخيص لقتل النفوس وارتكاب الفواحش ونحوها ممّا تميل إليها طباع عامّة الناس لولا ملاحظة معصية المشرّع كالزنا واللواط ونحوهما.
وبالجملة: في الحديث تحذير عن اعتذار العصاة بالحرج في ترك الحرام بعد التعوّد عليه، ومن هذا القبيل الاعتياد على المخدّرات وأمثالها من الدخانيات في أعصارنا هذه، فينبغي لأصحاب العادات السيّئة أن يتّعظوا بهذا الخبر ولا ينصاعوا للميول الشيطانية التي يمكن كبح النفس عنها ببعض المجاهدات والعزم والإرادة القاطعة كما في عزم ابن أبي يعفور على ما في هذا الخبر.
ورابعاً: من الواضح أنّ مورد مرسلة العياشي هو غير الضرورة الرافعة للأحكام الإلزاميّة؛ فإنّه من استعمال النبيذ مكان الماء كلّما عطش الإنسان؛ مع ما في الخبر من أعذار واهية، فإنّ من لم يجد العسل كيف يجد النبيذ كلّما يعطش؟!