المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧٧ - حكم المزاح
وأمّا إذا ترتّب في ضمنه تأكيد قبح الظلم والبخل وغيرهما من السيّئات إلى المخاطب أو ترتّب عليه تفهيم حسن العدل والإنفاق والإيثار والصدق ونحوها من الحسنات فلا يكون لهواً. والغالب في المزاح هو ذلك وإن لم يقصده المازح؛ حيث تقدّم أنّه مع ترتّب غاية عقلائية مطلوبة على الشيء لايكون ذاك لهواً وإن لم يقصد الفاعل تلك الغاية؛ لما أنّ اللّهو عنوان واقعي لا يتبع القصد، كما أنّ الإسكار كذلك.
ولعلّ الذي يبعّد في الأذهان المنع من المزاح هو هذا؛ أعني خروج المزاح حسب كثير من مصاديقه خارجاً عن اللّهو.
وأمّا إذا تمحّض في المزاح ولم يترتّب عليه غاية سواه فهو نوع لهو، ولا مانع من منعه. ولعلّ من قبيله بعض المجالس التي تعقد لهذه الغاية خاصّة، فيشتمل على الغيبة والبُهتان والتشبيب والإهانة وسائر المحرّمات، ويكون مِلؤه الضحك المفرط بأصوات عالية ونعرات مزعجة وصخب وشغب وحركات مبتذلة؛ ولو لم يكن في مثل ذلك سوى ضياع العمر وهدر الأوقات لكفى في التحرّز عنه. أعاذنا اللَّه وجميع المؤمنين من همزات الشياطين ونعوذ به أن يحضرونا، إنّ اللَّه هو التوّاب ذو القوّة المتين.
هذا، ويمكن أن يُقال: إنّ المرتكز في أذهان المتشرّعة عدم حرمة المزاح بجميع أنواعه ومراتبه.
كما لايبعد أن يقال: إنّ المزاح ولو كان فارغاً عن أيّ غرض سواه لايعدّ لهواً، بل غاية الأمر كونه لغواً، وقد تقدّم الفرق بينهما؛ فإنّ اللغو ما لا غرض فيه مقصود، ولكن يزيد اللهو عليه بأنّه يشغل ويؤنس بطبعه بحيث يكون الانصراف عنه مكروهاً للنفس وبحاجة إلى تحميل. فليس مطلق الاستلذاذ والاستئناس بالشيء موجباً لصدق اللهو، بل اللّهو متقوّم بمرتبة خاصّة من التلذّذ والاستئناس؛ وهي