المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠٢ - ظهور نفي القبول في نفي الصحّة
بخلافه لم يكن قابلًا للأخذ إلّابتأويل، ولو كان نصّاً في الخلاف تعيّن طرحه، ففي مثل هذا يكون الحكم واضحاً لرجوع الفرض إلى تقرير الشارع لما ارتكز في الأذهان.
كما أنّ هناك جملة من الامور لم يتحقّق فيها حكم إلزامي، ولكنّها بحيث لو كان فيها حكم إلزامي اقتضى طبيعة تلك القضايا نقلها على وجه يصير واضحاً عند الكلّ ومورداً للإجماع بين الكلّ، فيكشف عدم وضوح الحكم فيها عن عدم المقتضى، وضابط هذه هو ما يعمّ الابتلاء به لكلّ أحد، كالصلاة اليوميّة؛ فإنّ وجوبها ليس محلّ اختلاف، ومن قبيله ما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في بعض من هذه البحوث من عدم حرمة سماع صوت الأجنبيّة وغير ذلك.
وسنوضّح فيما يأتي إن شاء اللَّه تعالى الفرق بين هذا الدليل وبين دليل الارتكاز والسيرة الممضاة، فانتظر. ومن جملة موارد هذا الدليل هو جواز المزاح؛ فإنّه لو كان محرّماً لم يختلف في تحريمه اثنان، فلو ورد نصّ ظاهر في الحرمة بل وصريح واحد أو متواتر كان مطروحاً لا محالة؛ للقطع بعدم مطابقته للواقع بالتقرير المتقدِّم.
ولابدّ من ملاحظة كلّ نص بخصوصه، فربّما كان الظاهر من نصّ غير ما يظهر من غيره. ولكن على العموم ما كان من النصوص من قبيل ما أشرنا إليه في الصلاة فحمله على المعنى الأوّل خلاف الظاهر لا يصار إليه بدون قرينة؛ حيث إنّ الظاهر من ردّ الصلاة بترك الإقبال هو عدم كون الصلاة الفاقدة للإقبال مصداقاً للصلاة المطلوبة، لا كونها مقارنة لعصيان كالصلاة المقارنة لترك ردّ السلام.
كما أنّ الثالث أيضاً بعيد عن ظهور النصوص؛ فإنّ الظاهر منه هو عدم كون الصلاة بلا إقبال مصداقاً للمطلوب، وإلّا كيف تردّ على المصلّي.
وحمل الحديث «لا صلاة لجار المسجد» على نفي الكمال؛ للقرينة الخارجيّة، وإلّإ فظهوره لا يساعد على ذلك. وكذلك في المقام؛ فإنّ عدم القبول ينافي كون الفعل مصداقاً للمطلوب، حيث إنّ العبد ليس ملزماً بإتيان الفرد المشتمل على الكمال بعدما رخّصه مولاه في غيره.
وما اشتهر من حمل عدم القبول على عدم الثواب ونحوه من الآثار فهو غريب لا يساعده ظهور نفس الأدلّة ولا قرينة خارجيّة، وإنّما يصار إليه حيث دلّ دليل على كون العمل المردود مصداقاً للمأمور به.
ظهور نفي القبول في نفي الصحّة
وعلى هذا الأساس ذكرنا في بعض رسائلنا [١] أنّ عدم القبول ظاهر في البطلان بالمعنى الفقهيّ حيث لا قرينة على الخلاف، وإلّا فلا يحقّ للمولى أن يردّ ولا يقبل ما أمر هو به وكان مصداقاً لمطلوبه؛ فإنّ المطلوب مقبول لا محالة حقيقة.
فكما أنّ نفي الحقيقة في حديث «لا صلاة» ظاهر في نفي الصحّة، كذلك نفي القبول، وكما يرفع اليد عن ظاهر الأوّل بحمله على نفي الكمال بالقرينة كذلك الثاني، فيكون نفي القبول- بمعنى نفي الصحّة- كنايةً عن نفي الكمال، فليس مستعملًا في نفي الكمال مباشرة أصلًا، كما في سائر الكنايات حيث إنّ المداليل الاستعمالية غير المرادات الجدّية المكنّى عنها.
ومن جملة موارد استعماله الكنائي: مرسل الاحتجاج عن بعض مسائل الحميري حيث سأله عمّا روي: «عجباً لمن لم يقرأ في صلاته إنّا أنزلناه في ليلة القدر كيف تقبل صلاته» وروي: «ما رقت صلاة لم يقرأ فيها قل هو اللَّه أحد»، وروي أنّ من قرأ في فرائضه الهُمزة أُعطي من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز أن يقرأ الهُمزة
[١] راجع ما حقّقناه في ذلك في «الهداية إلى اشتراط الأعمال بالولاية».