المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٤٧٨ - حكم المزاح
مرتبة يصعب على النفس التخلّي عن الفعل وتركه بالإقبال على الامور المعنيّة، وليس ترك المزاح كذلك وإن كان الإنسان يستلذّ بفعله.
ويشهد لما ذكرناه: تلذّذ الإنسان بالأصوات الحسنة والرياحين الجميلة والروائح الطيّبة والبساتين وما إلى ذلك من الطيّبات، ومع ذلك لا تعدّ هذه الامور لهواً كما يعدّ مثل الغناء والقمار والضرب بالآلات اللهويّة كذلك.
نعم، ربّما يطلق اللّهو على ما تقدّم، والظاهر أنّه بعناية ومجاز، ومن قبيله ما تكرّر في القرآن الكريم من عدّ الحياة الدُّنيا لهواً؛ يعني بذلك كونها صارفة عن أمر الآخرة كما يكون اللّهو صارفاً، فهو تنزيل ومجاز، فتأمّل.
هذا، مع ما تقدّم من أنّ اللّهو هو ما لا غرض فيه مقصود، وأمّا ما اشتمل على بعض الأغراض المقصودة فلا يعدّ لهواً وإن لم يقصده الفاعل، ولا ريب أنّ الدُّنيا فيها من الأغراض العاجلة التي لابدّ منها والآجلة كذلك ما لا يخفى على إنسان، فلا مناص من كون إطلاق اللهو عليها مجازاً لمجرّد الاشتراك مع اللّهو في مائدة التلهّي والتسبيب إلى الانصراف عن سائر الامور المعنيّة والتشاغل عنها، فلاحظ.
فالدُّنيا تُلهي وتصرف وتغفل ومع ذلك فليست لهواً ولغواً وباطلًا كما قال تعالى: «وَ مَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا لعِبِينَ\* لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًالَّاتَّخَذْنهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فعِلِينَ\* بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبطِلِ فَيَدْمَغُهُ و فَإِذَاهُوَ زَاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ» [١].
فإنّ الدُّنيا مزرعة الآخرة ومتجر أولياء اللَّه وهي عبرة لمن اعتبر وحكمة وحقّ لا محلّ للآخرة بدونها، فهي في عين كونها لهواً بالمعنى المتقدِّم حقّ، مع أنّ اللّهو
[١] الأنبياء: ١٦- ١٨.