الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٩ - ثمانية احكام في آية واحدة
و لكن نظرا لنزول آية تحريم دخول المشركين إلى المسجد الحرام في سورة التوبة التي نزلت في العام التاسع للهجرة، و نزول سورة المائدة في أواخر عمر النّبي الكريم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أي في العام العاشر للهجرة و هي سورة لم يطرأ النسخ على أيّ من الأحكام الواردة فيها- بحسب روايات الطائفتين الشيعة و السنة- لذلك يستبعد أن يكون هذا التّفسير صحيحا، و الحق أن الحكم المذكور خاص بالمسلمين وحدهم.
٥- لقد خصصت هذه الآية حكم حرمة الصيد بوقت الإحرام فقط، و أعلنت أنّ الخروج من حالة الإحرام إيذان بجواز الصيد للمسلمين- حيث تقول الآية الكريمة: وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا.
٦- منعت هذه الآية الكريمة المسلمين من مضايقة أولئك النفر من المسلمين الذين كانوا قبل إسلامهم يضايقون المسلمين الأوائل في زيارة بيت اللّه الحرام و يمنعونهم من أداء مناسك الحج، و كان هذا في واقعة الحديبية، فمنع المسلمون من تجديد الأحقاد و مضايقة أولئك النفر في زمن الحج بعد أن أسلموا و قبلوا الإسلام لهم دينا، تقول الآية الكريمة: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا [١].
و مع أنّ هذا الحكم قد نزل في مجال زيارة بيت اللّه الحرام، لكنه- في الحقيقة- يعد حكما عاما، و قانونا كليا يدعو المسلمين إلى نبذ «الحقد» و عدم إحياء الأحداث السابقة في أذهانهم بهدف الانتقام من مسببيها.
و لمّا كانت خصلة الحقد إحدى عناصر ظهور و بروز النفاق و الفرقة لدى المجتمعات يتّضح لنا- منذ ذلك- جليا أهمية هذا الحكم الإسلامي في التصدي و الوقوف بوجه استعار نار النفاق بين المسلمين و بالأخص في زمن كان نبي
[١]- تفيد أقوال أهل اللغة و التّفسير أنّ كلمة «جرم» تعني في الأصل قطع الثمار أو قطفها من الأغصان قبل الأوان، و تطلق- أيضا على كل عمل مكروه، كما تطلق على الآخرين بالقيام بعمل غير محبوب- و هنا فإن عبارة «لا يجر منكم» تعني لا يحملنكم على القيام بعمل غير صائب.