الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٧ - التّفسير
لذلك، و تبيّن هنا- أيضا- أنّ الجهاد المقصود لم يكن واجبا عينيا، فلو كان واجبا عينيا لما تحدث القرآن عن هؤلاء التاركين للجهاد بمثل هذه اللهجة المرنة و لم يكن ليوعدهم بالثواب.
و على هذا الأساس فإنّ فضل المجاهدين على القاعدين لا يمكن إنكاره حتى لو كان الجهاد ليس واجبا عينيا، و لا تشمل الآية بأي حال من الأحوال أولئك الذين أحجموا عن المشاركة في الجهاد نفاقا، و عدوانا و يجب الانتباه- أيضا- إلى أنّ عبارة غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ لها مفهوم واسع يشمل كل أولئك الذين يعانون من نقص العضو أو المرض أو الضعف الشديد، مما يحرمهم من المشاركة في الجهاد، فهؤلاء مستثنون من ذلك.
و تكرر الآية من جديد مسألة التفاضل بشكل أوضح و أكثر صراحة، و تؤكد في نهاية المقارنة، أنّ اللّه وهب المجاهدين أجرا عظيما، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً [١].
و لكن- كما أسلفنا- لما كان في الجانب المقابل لهؤلاء المجاهدين يقف أولئك الذين لم يكن الجهاد بالنسبة لهم واجبا عينيا أو لم يشاركوا في الجهاد بسبب مرض أو عجز أو علة أخرى أعجزتهم عن هذه المشاركة، فذلك و لأجل أن لا يغفل ما لهؤلاء من نيّة صالحة و إيمانه و أعمال صالحة أخرى فقد وعدوا خيرا حيث تقول الآية الكريمة: ... وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى إلّا أنّه من البديهي أن هناك فرقا شاسعا بين الخير الذي وعد به المجاهدون، و بين ذلك الذي يصيب القاعدين من العاجزين عن المشاركة في الجهاد.
و تبيّن الآية القرآنية في هذا المجال: أنّ لكل عمل صالح نصيب محفوظ من
[١]- لقد وردت عبارة «درجة» في الآية على صيغة النكرة، و تؤكد كتب الأدب بأن النكرة في مثل هذه الحالات تأتي لبيان العظمة و الأهمية- أي أن درجة المجاهدين من السمو و الرفعة بحيث لا يمكن للبشر معرفتها بصورة كاملة- و هذا شبيه بالعبارة التي تطلق لبيان القيمة العظيمة لشيء يجهل قيمته البشر.