الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - هذه القيود لما ذا؟
مع العلم بأن هذه الأحكام لا تختص بكم، فقد سار عليها من سبقكم من أهل الحق من الأمم الصالحة، هذا مضافا إلى أنّ اللّه تعالى يريد أن يغفر لكم و يعيد عليكم نعمه التي قطعت عنكم بسبب انحرافكم عن جادة الحقّ، و كل هذا إنّما يكون إذا عدتم عن طريق الانحراف الذي سلكتموه في عهد الجاهلية و قبل الإسلام.
وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعلم بأسرار الأحكام، و يشرعها لكم عن حكمة.
ثمّ إن اللّه سبحانه أكّد ما مرّ بقوله: وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً أي أنّ اللّه يريد بتشريع هذه الأحكام لكم أن يعيد عليكم نعمه التي قطعت و منعت عنكم بسبب ذنوبكم، و ارتكابكم للشّهوات، و لكن الذين يريدون الانسياق وراء الشّهوات الغارقين في الآثام و الذنوب يريدون لكم أن تنحرفوا عن طريق السعادة، إنّهم يريدون أن تسايروهم في اتّباع الشّهوات و أن تنغمسوا في الآثار انغماسا كاملا، فهل ترون- و الحال هذه- إنّ هذه القيود و الحدود الكفيلة بضمان سعادتكم و خيركم و مصلحتكم أفضل لكم، أو الحرية المنفلتة المقرونة بالانحطاط الخلقي، و الفساد و السقوط؟
إنّ هذه الآيات في الحقيقة تجيب على تساؤل أولئك الأفراد الذين يعيشون في عصرنا الحاضر أيضا و الذين يعترضون على القيود و الحدود المفروضة في مجال القضايا الجنسية، و تقول لهم: إنّ الحريات المطلقة المنفلتة ليست أكثر من سراب، و هي لا تنتج سوى الانحراف الكبير عن مسير السعادة و التكامل الإنساني، و كما توجب التورط في المتاهات و المجاهل، و تستلزم العواقب الشريرة التي يتجسد بعضها في ما نراه بأم أعيننا من تبعثر العوائل، و وقوع أنواع الجريمة الجنسية البشعة، و ظهور الأمراض التناسلية و الآلام الروحية و النفسية المقيتة، و نشوء الأولاد غير الشرعيين حيث يكثر فيهم المجرمون القساة الجناة.
ثمّ إنّه سبحانه يقول بعد كل هذا: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ