الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٧٥ - التّستر على الجريمة
و لا غرابة في أن يتعلم إنسان شيئا من طير من الطيور، فالتاريخ و التجربة يدلان على أنّ للكثير من الحيوانات مجموعة من المعلومات الغريزية تعلمها منها البشر على طول التاريخ، مكملا بذلك معلوماته و معارفه، و حتى بعض الكتب الطبيّة تذكر أنّ الإنسان مدين في جزء من معلوماته الطيبة للحيوانات! ثمّ تشير الآية الكريمة إلى أنّ قابيل استاء من غفلته و جهله، فأخذ يؤنب نفسه كيف أصبح أضعف من الغراب فلا يستطيع دفن أخيه مثله، فتقول الآية:
قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ....
و كانت العاقبة أن ندم قابيل على فعلته الشنيعة كما تقول الآية: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
فهل كان ندمه على جريمته، خوفا من افتضاح أمره أمام أبويه؟ أو ربّما أخوته الآخرين الّذين كانوا سيلومونه على فعلته؟ أم أنّ ندمه كان إشفاقا على نفسه، لأنه حمل جسد أخيه القتيل لفترة دون أن يعلم ما ذا يفعل به أو كيف يدفنه؟
أم كان سبب الندم هو ما يشعر به الإنسان- عادة- من قلق و استياء بعد ارتكاب كل عمل قبيح؟
مهما كانت أسباب الندم و دوافعه لدى «قابيل» فذلك لا يعني أنّه تاب من فعلته و جريمته التي ارتكبها، فالتوبة معناها أن لا يعاود الإنسان المذنب تكرار الذنب، خوف من اللّه و استقباحا للذنب، و لم يشر القرآن الكريم إلى صدور مثل هذه التوبة عن «قابيل»، و قد تكون الآية التالية إشارة إلى عدم صدور التوبة عنه.
ورد في حديث عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله: «لا تقتل نفس ظلما إلّا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنّه كان أوّل من سن القتل» [١].
أراد أن يري «قابيل» كيف يدفن أخاه، و ذلك احتراما ل «هابيل» و يحتمل أن يكون الغراب هو الفاعل في الجملة المذكورة.
[١]- مسند أحمد بن حنبل كما جاء في تفسير «في ضلال القرآن»، ج ٢، ص ٧٠٣، في تفسير الآية.