الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٧٤ - التّستر على الجريمة
الرادعة فطوعت ضميره الحي و كبلته بقيودها و أعدته لتقل أخيه، و تدل عبارة «طوعت» مع قصرها على جميع المعاني التي ذكرناها لأنّ عملية التطويع كما نعلم لا تتمّ في لحظة واحدة، بل تحصل بشكل تدريجي و عبر صراعات مختلفة.
و تشير الآية- في آخرها- إلى نتيجة عمل «قابيل» فتقول فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فأين ضرر أكبر من أن يشتري الإنسان لنفسه عذابا سيلازمه إلى يوم القيامة، و يشمل عذاب الضمير و عقاب اللّه و العار و الأبدي.
و قد حاول البعض الاستدلال من كلمة «أصبح» على أن جريمة القتل قد وقعت ليلا، في حين أنّ كلمة «أصبح» من حيث معناها اللغوي لا تنحصر في زمن معين ليلا مكان أم نهارا، بل تدل على حدوث شيء ما، كما جاء في الآية (١٠٣) من سورة آل عمران في قوله تعالى: ... فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ....
و تفيد بعض الروايات المنقولة عن الإمام الصّادق عليه السّلام أن قابيل حين قتل أخاه ترك جثته في العراء حائرا لا يدري ما يفعل بها، فلم يمض وقت حتى حملت الوحوش المفترسة على جثة «هابيل» فاضطر «قابيل» (ربّما نتيجة لضغط وجداني شديد) إلى حمل جثة أخيه مدة من الزمن لإنقاذها من فتك الوحوش، لكن الطيور الجارحة أحاطت به و هي تنتظر أن يضعها على الأرض للهجوم عليها ثانية و في تلك الأثناء بعث اللّه غرابا (كما تصرّح الآية) فأخذ يحفر الأرض و يزيح التراب ليدفن جسد غراب ميت آخر، أو ليخفي جزءا من طعامه- كما هي عادة الغربان- و ليدل بذلك «قابيل» كيف يدفن جثة أخيه، حيث تقول الآية الكريمة، فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [١].
[١]- جاء في مجمع البيان أنّ كلمة «يبحث» معناها في الأصل هو البحث عن شيء في التراب ثمّ استعملت في مختلف أنواع البحوث، أمّا كلمة «سوأة» فهي تعني كل شيء يستاء الإنسان من رؤيته، و لذلك تطلق أحيانا على جسد الميت، و على عورة الإنسان، و يجب الانتباه هنا إلى أنّ الفاعل في جملة «ليريه» قد يكون هو اللّه، أي أنّ اللّه