الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦٣ - بنو إسرائيل و الأرض المقدسة
ظل الصدف و المعاجز دون أن يبادروا بأنفسهم إلى بذل جهد في هذا المجال، و ردّ هؤلاء على طلب موسى عليه السّلام بقولهم كما تنقله الآية: قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ [١] وَ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ.
و يدل جواب بني إسرائيل هذا على الأثر المشؤوم الذي خلفه الحكم الفرعوني على نفوس هؤلاء فإنّ في كلمة «لن» التي تفيد التأييد دلالة على الخوف و الرعب العميقين اللذين استوليا على هذه الطائفة ممّا أرغمهم على الامتناع عن الدخول في أي صراع من أجل تحرير الأرض المقدسة و تطهيرها.
و كان على بني إسرائيل أن يحرروا تلك الأرض بكفاحهم و تضحياتهم، أمّا لو أنّ الأعداء تركوا الأرض المقدسة أو أبيدوا فيها بمعجزة على خلاف السنة الإلهية الطبيعية، فإن بني إسرائيل بدخولهم إليها- في مثل هذه الحالة دون أي عناء أو مشقة- كانوا سيواجهون العجز في إدارة تلك الأرض الواسعة الغنية، و لم يكونوا ليبدوا أيّ اهتمام بالحفاظ على شيء حصلوا عليه دون جهد أو معاناة، فلا يظهر لديهم و الحالة هذه أي استعداد أو كفاءة لعمل ذلك.
أمّا المراد من عبارة قَوْماً جَبَّارِينَ فهم كما تدل عليه التواريخ قوم «العمالقة» [٢] الذين كانوا يمتلكون أجساما ضخمة، و كانت لهم أطوال خارقة، بحيث ذهب الكثير إلى المبالغة في طول أجسام هؤلاء و صنعوا الأساطير
[١]- يجب الانتباه إلى أنّ كلمة «جبار» مأخوذة أو مشتقة من الأصل (جبر) أي إصلاح الشيء بالقسر و الإرغام، و لذلك سمّي إصلاح العظم المكسور (تجبيرا) فهذه الكلمة تطلق من جهة على كل نوع من التجبير و الإصلاح، و من جهة أخرى تطلق على كل أنواع التسلط القسري، و حين تطلق كلمة (جبار) على اللّه سبحانه و تعالى فذلك إمّا لتسلطه على كل شيء، أو لأنّه هو المصلح لكل موجود محتاج إلى الإصلاح.
[٢]- العمالقة قوم من العنصر السامي يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء، و قد هاجموا معصر و استولوا عليها لفترات طويلة و دامت حكومتهم حوالي ٥٠٠ عام منذ عام ٢٢١٣ قبل الميلاد حتى عام ١٧٠٣ قبل الميلاد.
عن دائرة المعارف لفريد وجدي، ج ٦٠، ص ٢٣٢ (الطبعة الثّالثة).