الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٤٦ - التّفسير
الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ....
و تدلّ هذه الجملة القرآنية على أنّ أهل الكتاب كانوا قد أخفوا و كتموا الكثير من الحقائق، لكن نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد أظهر من تلك الحقائق ما يفي منها بحاجة البشرية في عصر الإسلام، مثل بيان حقيقة التوحيد و طهارة الأنبياء و تنزههّم عمّا نسب إليهم في التوراة و الإنجيل المزورين، كما بيّن تحريم الربا، و الخمرة و أمثالهما، بينما بقيت حقائق تخص الأمم السابقة و الأزمنة الغابرة ممّا لا أثر لذكرها في تربية الأجيال الإسلامية، فلم يتمّ التطرق إليها.
و تشير الآية الكريمة- أيضا- إلى أهمية و عظمة القرآن المجيد و آثاره العميقة في هداية و إرشاد و تربية البشرية، فتقول: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ النور الذي يهدي به اللّه كل من يبتغي كسب مرضاته إلى سبل السلام، كما تقول الآية الأخرى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ... و ينقذهم من أنواع الظلمات (كظلمة الشرك و ظلمة الجهل و ظلمة التفرقة و النفاق و غيرها ...) و يهديهم إلى نور التوحيد و العلم و الاتحاد، حيث تقول الآية:
وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ....
و إضافة إلى ذلك كلّه يرشدهم إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج و لا انحراف في جانبيه العقائدي و العملي أبدا، كما تقول الآية: وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
لقد اختلف المفسّرون في المعنى المراد من كلمة «النّور» الواردة في الآية، فذهب البعض منهم إلى أنّها تعني شخص النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قال مفسّرون آخرون: إنّ المعنى بالنور هو القرآن المجيد.
و حين نلاحظ آيات قرآنية عديدة تشبه القرآن بالنور، يتبيّن لنا أنّ كلمة «النور» الواردة في الآية- موضوع البحث- إنّما تعني القرآن، و على هذا الأساس فإنّ عطف عبارة «كتاب مبين» على كلمة (النور» يعتبر من قبيل عطف التوضيح،