الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٢ - العهود الرّبانية
مجتمعهم آنذاك، و قد تحولوا بفضل الإسلام إلى مجتمع يسوده الاتحاد و التماسك و العلم، و يرفل بالنعم و الإمكانيات المادية و المعنوية الزّاخرة.
بعد هذا تعيد الآية إلى الأذهان ذلك العهد الذي بين البشر و بين اللّه، فتقول وَ مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَ أَطَعْنا ....
هناك احتمالان حول المعنى المراد بلفظة «العهد» الواردة في الآية و موضوعه.
الاحتمال الأوّل: أن يكون هو ذلك العهد الذي عقده المسلمون في بداية ظهور الإسلام في واقعة «الحديبية» أو واقعة «حجة الوداع» أو «العقبة» مع اللّه، أو بصورة عامّة هو العقد الذي عقده جميع المسلمين بصورة ضمنية مع اللّه بمجرّد قبولهم الإسلام.
و الاحتمال الثّاني: هو أن يكون العهد المقصود في الآية الكريمة الأخيرة هو ذلك العهد المعقود بين كل فرد إنساني- بحكم فطرته و خلقه- و بين اللّه، و الذي يقال عنه بأنّه تم في «عالم الذر» [١].
و بيان ذلك هو أنّ اللّه حين خلق الإنسان أودع فيه استعدادات و مواهب كثيرة، و منها نعمة العلم التي بها يتتبع أسرار الخليقة، و تتحقق لديه معرفة الحق، و كذلك نعم كالعقل و الذكاء و الإدراك ليعرف الإنسان بها أنبياء اللّه و يلتزم بأوامرهم، و اللّه سبحانه حين أودع هذه النعم لدى الإنسان أخذ منه عهدا بأنّ يستغلها خير استغلال، و أن لا يهملها أو يسيء استعمالها، فردّ الإنسان بلسان الحال و الاستعداد «سمعنا و أطعنا».
و يعتبر هذا العهد أوسع و أحكم و أعم عهد أخذه اللّه من عباده البشر، و هذا هو العهد الذي يشير إليه الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام في خطبته الأولى الواردة
في كتاب «نهج البلاغة» بقوله: «ليستأدوهم ميثاق فطرته»
أي ليطلب منهم أداء
[١]- سيرد شرح مفصل عن «عالم الذر» و سبب تسميته بهذا الاسم في تفسير الآية (١٧٢) من سورة الأعراف، بإذن اللّه.