الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٢٠ - فلسفة الغسل
بعد المقاربة الجنسية (حتى لو لم تؤد إلى خروج المني).
و قد أوضحت الآية- في آخرها- أنّ الأوامر الإلهية ليس فيها ما يحرج الإنسان أو يوجد العسر له، بل إنها أوامر شرعت لتحقق فوائد و منافع معينة للناس، فقالت الآية ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
و تؤكد هذه العبارات القرآنية الأخيرة أنّ جميع الأحكام و الأوامر الشرعية الإلهية و الضوابط الإسلامية هي في الحقيقة لمصلحة الناس و لحماية منافعهم، و ليس فيها أي هدف آخر، و إنّ اللّه يريد بالأحكام الأخيرة الواردة في الآية- موضوع البحث- أن يحقق للإنسان طهارته الجسمانية و الروحية معا.
و يجب هنا الانتباه إلى أن جملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ مع أنّها وردت في أواخر الآيات التي اشتملت على أحكام الغسل و الوضوء و التيمم، إلّا أنّها تبيّن قانونا عامّا معناه أنّ أحكام اللّه ليست تكاليف شاقّة أبدا، و لو كان في أي حكم شرعي العسر و الحرج لأي فرد لسقط التكليف عن هذا الفرد بناء على الاستثناء الوارد في الجملة القرآنية الأخيرة من الآية موضوع البحث، و لهذا لو كان الصوم يشكل مشقة و عناء على أي فرد بسبب مرض أو شيخوخة أمّا ما شابه ذلك، لسقط أداؤه عن هذا الفرد و ارتفع التكليف عنه، بناء على هذا الدليل نفسه.
و لا يخفى- أيضا- أنّ هناك من الأحكام الإلهية ما يظهر فيها الصعوبة و المشقة بذاتها مثل حكم الجهاد، إلّا أنّه و لدى مقارنة المصالح التي تتحقق بالجهاد مع الصعوبات و المشاق التي فيه، تترجح كفة المصالح و أهميتها فلا تكون المشاق أمامها شيئا يذكر، و قد سمي القانون الذي أثبتته الجملة القرآنية الأخيرة بقانون «لا حرج» و هو مبدأ أساسي يستخدمه الفقهاء في أبواب مختلفة و يستنبطون منه أحكاما كثيرة.