الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٨ - اسطورة التثليث الوهمية
و على الرغم من أنّ البعض أساء الاستفادة من هذه العبارة و فسّرها بأنّ المسيح عليه السّلام هو جزء من اللّه سبحانه و تعالى، مستندا إلى عبارة «منه» و لكن الواضح في مثل هذه الحالات أن كلمة «من» ليست للتبعيض، بل تدل على مصدر و منشأ و أصل وجود الشيء.
و هناك طرفة تاريخية تذكر أنّه كان لهارون الرشيد طبيب نصراني، دخل يوما في نقاش مع «علي بن الحسين الواقدي» و هو أحد المفكرين الإسلاميين في ذلك العصر، فقال له هذا الطبيب: «توجد في كتابكم السماوي آية تبيّن أنّ المسيح عليه السّلام هو جزء من اللّه ...» و تلا هذا النصراني الآية موضوع البحث، فرد عليه «الواقدي» مباشرة تاليا هذه الآية: وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ... [١]، و أضاف مبيّنا أنّ كلمة «من» لو كانت تفيد التبعيض، لاقتضى ذلك أن تكون جميع موجودات السماء و الأرض- بناء على هذه الآية- جزءا من اللّه، فلما سمع الطبيب النصراني كلام الواقدي أسلم في الحال، و سر إسلامه هارون الرشيد فكافأ الواقدي بجائزة مناسبة [٢].
إنّ ما يثير العجب- إضافة إلى ما ذكر- هو أنّ المسيحيين يرون ولادة المسيح من أمّ دون أب دليلا على ألوهيته، و هم ينسون في هذا المجال أن آدم عليه السّلام كان قد ولد من غير أب، و لا أم، و لم ير أحد هذه الخصيصة الموجودة في آدم دليلا على ربوبيته.
بعد ذلك تؤكّد الآية على ضرورة الإيمان باللّه الواحد الأحد و بأنبيائه، و نبذ عقيدة التثليث، مبشرة المؤمنين بأنّهم إن نبذوا هذه العقيدة فسيكون ذلك خيرا لهم حيث قالت الآية: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ ....
[١]- الجاثية، ١٣.
[٢]- تفسير المنار، الجزء السادس، ص ٨٤.