الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٨ - هدف اليهود من اختلاق الأعذار
لكن اليهود بسبب ما انطوت عليه سريرتهم من شرّ- لم يستيقظوا من غفلتهم، و لم يخرجوا من ضلالتهم، و لم يتخلوا عن صلفهم و غرورهم، فرفع اللّه جبل الطور لينزله على رؤوسهم، حتى أخذ منهم العهد و الميثاق و أمرهم أن يدخلوا خاضعين خاشعين- من باب بيت المقدس- دليلا على توبتهم و ندمهم، و أكّد عليهم أن يكفوا عن أي عمل في أيّام السبت، و أن لا يسلكوا سبيل العدوان، و أن لا يأكلوا السمك الذي حرم صيده عليهم في ذلك اليوم، و فوق كل ذلك أخذ اللّه منهم ميثاقا غليظا مؤكّدا، و لكنّهم لم يثبتوا- مطلقا- وفاءهم لأي من هذه المواثيق و العهود [١] يقول القرآن الكريم في هذا المجال: وَ رَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَ قُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَ أَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً.
فهل يصح أن تكون هذه المجموعة مع ما تمتلكه من سوابق سيئة و تاريخ أسود صادقة مع النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما طلبته منه و إن كان هؤلاء صادقين، لما ذا إذن لم يلتزموا بما نزل عليهم صريحا في كتابهم السماوي و حول العلامات الخاصّة بخاتم النّبيين؟ و لما ذا أصروا على تجاهل كل ما أتى به النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من براهين و أدلة واضحة بيّنة؟
و هنا تجدر الإشارة إلى أمرين، و هما:
أوّلا: لو اعترض معترض فقال: إن تلك الأعمال كانت خاصّة باليهود السابقين، فما صلتها باليهود في زمن النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
فنقول: إنّ اليهود في زمن النّبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يبدوا اعتراضا و استنكارا- أبدا- لأعمال أسلافهم السابقين، بل كانوا يظهرون الرضى عن تلك الأعمال.
[١]- للاطلاع أكثر على قضية جبل الطّور، و هل أنّ رفعه فوق رؤوس اليهود كان نتيجة زلزلة، أم هناك عامل آخر و كذلك فيما يتعلق بعجل السامري، و مساوئ اليهود، راجع الجزء الأوّل من هذا التّفسير في البحث الخاص بهذه المواضيع.