الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - العلماء و الوظيفة الكبرى
إخفائه من حقائق الكتب السماوية، و لهذا قال سبحانه عنهم فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ أنّها كناية رائعة عن عدم العمل بالواجب و تناسيه، لأن الإنسان إذا عزم على العمل بشيء و أراد جعله ملاكا له، فإن يجعله قدامه، و ينظر إليه مرة بعد اخرى، و لكنه إذا لم يرد العمل به و أراد تناسيه بالمرة أزاحه من وجهه، و ألقاه خلف ظهره.
ثمّ أنّه سبحانه أشار إلى حرص اليهود و جشعهم و حبّهم المفرط للدنيا إذ يقول: وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.
إن حبّهم الشديد للدنيا الذي بلغ حد العبادة، و انحطاطهم الفكري آل بهم إلى أن يكتموا الحقائق لقاء مكاسب مادية، و لكن الآية تقول: أنهم لم يشتروا بذلك و لم يكسبوا إلّا ثمنا قليلا، و بئس ما يشترون.
و لو أنهم قد حصلوا لقاء كتمان الحقائق- هذه الجريمة الكبرى- على ثروة عظيمة و طائلة لكان ثمّة مجال لأن يقال: إنّ عظمة المال و الثروة قد أعمت أبصارهم و أسماعهم، و لكن الذي يدعو إلى الدهشة و العجب أنّهم باعوا كلّ ذلك لقاء ثمن بخس و متاع قليل، (طبعا المقصود هنا هو علماؤهم الدنيئو الهمة).
العلماء و الوظيفة الكبرى:
إن الآية الحاضرة و إن كانت قد وردت بحق أهل الكتاب (من اليهود و النصارى) إلّا أنّها في الحقيقة تحذير و إنذار لكل علماء الدين و رجاله بأن عليهم أن يجتهدوا في تبليغ الحقائق و بيان الأحكام الإلهية، و توضيحها و إظهارها بجلاء، و إن ذلك ممّا كتبه اللّه عليهم، و أخذ منهم ميثاقا مؤكدا و غليظا.
إنّ كلمة «لتبيّننه» و ما اشتقت منه في أصل اللغة في هذه الآية تكشف عن أنّ المقصود ليس هو فقط تلاوة آيات اللّه أو نشر ما احتوت عليه الكتب السماوية من كلمات و عبارات، بل المقصود هو عرض ما فيها من الحقائق على الناس،