الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - التّفسير
و لا يعصونه من الخير و الثواب هو خير من كل ما في هذه الدنيا من خيرات.
و في هذا المقطع القرآني ردّ آخر على أولئك المنافقين، حيث بيّن أن الموت آتيهم يوما لا محالة، حتى إذا تحصنوا في قلاع عالية و منيعة بحسب ظنّهم، و ما دام الموت يدرك الإنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر و صحيح كالجهاد؟! و ممّا يلفت الانتباه أنّ القرآن الكريم يطلق في مواقع متعددة اسم «اليقين» على الموت، كما في الآية (٩٩) من سورة الحجر، و الآية (٤٨) من سورة المدثر- و معنى هذه العبارة القرآنية هو أن الإنسان مهما كانت عقيدته- يؤمن بوجود الموت إيمانا لا يخامره فيه شك مطلقا، و مهما أنكر المرء من حقائق لا يستطيع إنكار الموت الذي يشهده بأم عينه أو يسمع عنه كل يوم، و الإنسان الذي يحب الحياة و يخال أن الموت هو الفناء الذي لا حياة بعده أبدا يخاف من ذكر الموت و يفر من مظاهره.
الآيتان الأخيرتان تؤكدان حقيقة عدم جدوى الفرار من الموت، فهو يدرك الإنسان يوما ما لا محالة، و هو حقيقة قطعية يقينية في عالم الوجود.
و عبارة يُدْرِكْكُمُ الواردة في الآية الأولى تعني الملاحقة، و اللاحق هو الموت الذي يدرك الإنسان، و توحي بأنّ الفرار لا ينقذ الإنسان من هذا المصير الحتمي.
و تؤكد الحقيقة المذكورة الآية الثّامنة من سورة الجمعة إذ تقول: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ.
إذن ليس من العقل و المنطق أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة و يفر بعد ذلك من ميدان الجهاد، و يحرم نفسه أشرف ميتة و هي الشهادة في سبيل اللّه، فيموت على فراشه فلو عاش الإنسان بعد فراره من الجهاد أيّاما أو شهورا أو سنوات لتكرر ما فعل و لتكررت أمامه المشاهد الماضية، فهل من العقل أن يحرم الإنسان نفسه