الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٣ - التّفسير
كما أنّه يستفاد من عبارة بِإِذْنِ اللَّهِ أن كل ما عند الأنبياء من اللّه، أو بعبارة أخرى: إن وجوب طاعتهم ليس بالذات، بل هي- أيضا- بأمر اللّه و من ناحيته.
ثمّ إنّه سبحانه يترك باب التوبة و الإنابة- عقيب تلك الآية- مفتوحا على العصاة و المذنبين، و على الذين يراجعون الطواغيت و يتحاكمون إليهم أو يرتكبون معصية بنحو من الأنحاء، و يقول: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً.
و الجدير بالتأمل و الانتباه إنّ القرآن يقول بدل: عصوا أمر اللّه و تحاكموا إلى الطاغوت: إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ و هو إشارة إلى أنّ فائدة الطاعة لأمر اللّه و أمر الرّسول تعود إليكم أنفسكم، و إن مخالفة ذلك نوع من الظلم توقعونه على أنفسكم، لأنّها تحطم حياتكم المادية، و توجب تخلفكم و انحطاطكم من الناحية المعنوية.
إنّ هذه الآية تجيب ضمنا على كل الذين يعتبرون التوسل برسول اللّه أو بالإمام نوعا من الشرك، لأنّ الآية تصرح بأن التوسل بالنّبي و الاستشفاع به إلى اللّه، و طلب الاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر و موجب لقبول التوبة و شمول الرحمة الإلهية.
فلو كانت وساطة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دعاؤه للعصاة المتوسلين به، و الاستشفاع به و طلب الاستغفار منه شركا، فكيف يمكن أن يأمر القرآن العصاة و المذنبين بمثل هذا الأمر؟
نعم، غاية ما في الباب أنّ على العصاة و المذنبين أنفسهم أن يتوبوا هم و يرجعوا عن طريق الخطأ، ثمّ يستفيدوا- لقبول توبتهم- من استغفار النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و من البديهي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس من شأنه أن يغفر الذنوب، بل شأنه في المقام أن يطلب من اللّه المغفرة خاصّة، و هذه الآية إجابة مفحمة للذين ينكرون مشروعية أو فائدة هذه الوساطات.