الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٤ - تزكية النفس
و في هذه إشارة إلى إحدى الصفات الذميمة التي قد يبتلى بها كثير من الأفراد و الشعوب، إنّها صفة مدح الذات و تزكية النفس، و ادعاء الفضيلة لها.
ثمّ يقول سبحانه: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ فهو وحده الذي يمدح الأشخاص و يزكيهم طبقا لما يتوفر عندهم من مؤهلات و خصال حسنة دون زيادة أو نقصان، و على أساس من الحكمة و المشيئة البالغة، و ليس اعتباطا أو عبثا. و لذلك فهو لا يظلم أحدا مقدار فتيل: وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [١].
و في الحقيقة أنّ الفضيلة هي ما يعتبرها اللّه سبحانه فضيلة لا ما يدعيه الإشخاص لأنفسهم انطلاقا من أنانيتهم، فيظلمون بذلك أنفسهم و غيرهم.
إن هذا الخطاب و إن كان موجها إلى اليهود و النصارى الذين يدعون لأنفسهم بعض الفضائل دونما دليل، و يعتبرون أنفسهم شعوبا مختارة فيقولون أحيانا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [٢] و يقولون تارة أخرى: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ [٣] إلا أنّ مفهومه لا يختص بقوم دون قوم، و جماعة دون جماعة، بل يشمل كل الأشخاص أو الأمم المصابة بمثل هذا المرض الوبي، و هذه الصفة الذميمة.
إنّ القرآن يخاطب جميع المسلمين في (سورة النجم- الآية ٣٢) فيقول:
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى.
إنّ مصدر هذا العمل هو الإعجاب بالنفس و الغرور، و العجب الذي يتجلى شيئا فشيئا في صورة امتداح الذات و تزكية النفس، بينما ينتهي في نهاية المطاف إلى التكبر و الاستعلاء على الآخرين.
إنّ هذه العادة الفاسدة- مع الأسف- من العادات الشائعة بين كثير من
[١]- القتيل في اللغة بمعنى الخيط الدقيق الموجود بين شقي نواة التمر، و يأتي كناية عن الأشياء الصغيرة و الدقيقة جدا، و أصله من مادة «فتل» بمعنى البرم.
[٢]- البقرة، ٨٠.
[٣]- المائدة، ١٨.