الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٤ - جانب آخر من أعمال اليهود
وَ عَصَيْنا يعني بدل أن يقولوا «سمعنا و أطعنا» يقولون «سمعنا و عصينا» و هذا يشبه تماما كلام من يقول مستهزء: «منك الأمر و منّا عدم السماع»، هذا و العبارات الاخرى في هذه الآية خير شاهد على هذا القول.
ثمّ يشير إلى قسم آخر من أحاديثهم العدائية المزيجة بروح التحدي و الصلافة حيث يقول: إنّهم يقولون: وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ و بهذا الطريق يتوسل هذا الفريق للحفاظ على جماعة من المغفلين،- مضافا إلى سلاح تحريف الحقائق و الخيانة في إبلاغ الكتب السماوية التي كانت تشكل الوسيلة الحقيقية لنجاة ذلك الفريق و شعبهم من مخالب الطغاة الظلمة مثل فرعون- يتوسلون بسلاح الاستهزاء و السخرية الذي هو سلاح الأنانيين و المغرورين و وسيلة العتاة و المعاندين، و ربّما استخدموا مضافا إلى كل ذلك عبارات كان المسلمون المخلصون يرددونها أمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع تغييرات في معانيها تكميلا لاستهزائهم و سخريتهم، مثل جملة «راعنا» التي معناها «تفقدنا و أمهلنا» و كان المسلمون الصادقون في صدر الإسلام و مطلع الدّعوة المحمّدية يرددونها أمام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليتمكنوا من سماع صوت النّبي و كلامه بنحو أفضل، و لكن هذا الفريق من اليهود كانوا يتوسلون بهذه الجملة لإيذاء النّبي و يسيئون استخدامها و يكررونها أمام النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هم يقصدون منها معناها العبري الذي هو «سمعنا غير مسمع» أو «أسمعنا لا سمعت» أو معناه العربي الآخر، و هو ما يرجع إلى الرعونة [١] الذي يعني الحمق، قصدا منهم إلى أن عمل النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان- و العياذ باللّه- خداع الناس و استغلال سذاجتهم.
و قد كان هذا كله بهدف إزاحة الحقائق عن محورها الأصلي بألسنتهم
[١]- راعنا إذا أخذت مشتقة من مادة الرعي تكون بمعنى فعل الطلب من المراعاة و المراقبة، و بمعنى أمهلنا، و إذا أخذت مشتقة من الرعونة تكون بمعنى «أخدعنا و اجعلنا حمقاء عندك»، يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء و السب، و لا بدّ من الالتفات إلى أن راعنا على الوجه الأوّل تكون بدون تشديد النون، و على الوجه الثاني بتشديد النون، و يستفاد من جملة من الروايات أن اليهود كانوا يتعمدون تشديد النون في راعنا و مد آخرها.