الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - ما هي «الذّرة»؟
«مثقال» يعني الثقل، فإنّ التعبير بمثقال ذرة يعني جسما في غاية الدقة و الصغر.
إنّ الآية الحاضرة تقول: إنّ اللّه لا يظلم قط زنة ذرة، بل يضاعف الحسنة إذا قام بها أحد، و يعطي من لدنه على ذلك أجرا عظيما: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.
إنّ هذه الآية- في الحقيقة- تقول للكافرين الذين يبخلون و الذين مرّ الحديث عن أحوالهم في الآيات السابقة: إنّ العقوبات التي تصيبكم ما هي في الحقيقة إلّا جزاء ما قمتم به من الأعمال، و أنّه لا يصيبكم أي ظلم من جانب اللّه، بل لو أنّكم تركتم الكفر و البخل و سلكتم طريق اللّه لنلتم المثوبات العظيمة المضاعفة.
ثمّ أنّه لا بدّ من الانتباه إلى أن لفظة «ضعف» و «المضاعف» تعني في اللغة العربية ما يعادل الشيء أو يربو عليه مرّات عديدة، و على هذا الأساس لا تنافي هذه الآية الآيات الاخرى التي تقول: إن أجر الإنفاق قد يصل إلى عشرة أضعاف، و قد يصل إلى سبعمائة مرّة ....
و على أي حال فإنّها تحكي عن لطف اللّه بالنسبة إلى عباده، حيث لا يعاقبهم على سيئاتهم و ذنوبهم بأكثر ممّا عملوا، بينما يضاعف الأجر بمرات كثيرة إذا أتوا بحسنة واحدة.
يبقى أن نعرف لما ذا لا يظلم اللّه سبحانه؟ فإنّ السبب فيه واضح، لأن الظلم عادة- إمّا ناشئ عن الجهل، و إمّا ناشئ عن الحاجة، و إمّا ناشئ عن نقص نفسي.
و من كان عالما بكل شيء، و كان غنيّا عن كل شيء، و لم يكن يعاني من أي نقص، لا يمكن صدور الظلم منه، فهو لا يظلم أساسا، لا أنّه تعالى لا يقدر على الظلم، و لا أن الظلم غير متصوّر في حقّه (كما تذهب إليه طائفة من الأشاعرة)، بل مع قدرته تعالى على الظلم- لا يظلم أبدا لحكمته و علمه، فهو يضع كل شيء في عالم الوجود موضعه، و يعامل كل أحد حسب عمله، و طبقا لسلوكه و سيرته.