الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤ - المثقلون بأوزارهم
يكسبونه من انتصارات في بعض الأحيان، و ما يمتلكونه من حرّية التصرف، دليلا على صلاحهم، أو علامة على رضا اللّه عنهم.
و توضيح ذلك: إنّ المستفاد من الآيات القرآنية هو أنّ اللّه سبحانه ينبّه العصاة الذين لم يتوغّلوا في الخطيئة و لم يغرقوا في الآثام غرقا، فهو سبحانه ينبّههم بالنذر تارة، و بما يتناسب مع أعمالهم من البلاء و الجزاء تارة أخرى، فيعيدهم بذلك إلى جادة الحق و الصواب. و هؤلاء هم الذين لم يفقدوا بالمرّة قابلية الهداية، فيشملهم اللطف الإلهي، فتكون المحن و البلايا نعمة بالنسبة إليهم، لأنها تكون بمثابة جرس إنذار لهم تنبّههم من غفلتهم، و تنتشلهم من غفوتهم كما يقول اللّه سبحانه: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [١].
و لكن الذين تمادوا في الذنوب و غرقوا فيها، و بلغ طغيانهم نهايته فإنّ اللّه يخذلهم، و يكلهم إلى نفوسهم، أيّ أنّه يملي لهم لتثقل ظهورهم بأوزارهم، و يستحقوا الحدّ الأكثر من العقوبة و العذاب المهين.
هؤلاء هم الذين نسفوا كلّ الجسور، و قطعوا كلّ علاقاتهم مع اللّه، و لم يتركوا لأنفسهم طريق لا العودة إلى ربّهم، و هتكوا كل الحجب، و فقدوا كل قابلية للهداية الإلهية، و كل أهلية للّطف الرّباني.
إن الآية الحاضرة تؤكد هذا المفهوم و هذا الموضوع إذ تقول: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.
و لقد استدلت بطلة الإسلام زينب الكبرى بنت الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام بهذه الآية في خطابها المدوي و الساخن أمام طاغية الشام «يزيد بن معاوية» الذي كان من أظهر مصاديق العصاة و المجرمين الذين قطعوا جميع جسور العودة
[١]- الروم، ٤١.