المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٣٩ - أدلّة وجوب معالجة الجاني للمجني عليه
نفقة العلاج؛ سيّما إذا كانت الجناية عمديّة؟
والإنصاف أنّ الحكم بكفاية الدية في مثل ذلك مشكل جدّاً؛ فإنّه خلاف العدل والإنصاف، فإنّه لا يبعد اختصاص أدلّة الديات في مثل هذه الجنايات بما إذا لم يمكن معالجة الجناية وتداركها بذلك، كما هو المعهود قديماً بل وحديثاً في كثير من الموارد؛ فإنّ ترقيع العضو المقطوع أو وصله بعد القطع لم يكن متيسّراً عموماً، وإنّما أمكن جملة من موارده في الأعصار المتأخّرة بفضل تقدّم العلوم الطبّية؛ وذلك إمّا للانصراف، أو لاحتفاف تلك الأدلّة بما يصلح لمنع ظهورها في الإطلاق؛ لكون المنساق منها أنّ تشريعها بعنوان البدل والعوض عن الفائت، وهذا لا يكون مع إمكان التدارك والعلاج؛ فإنّه لا يكون الفوات إلّامع عدم إمكان الجبران بردّ الأصل، فكأنّ الدية بدل حيلولة، ولا حيلولة مع إمكان ردّ الجناية.
ومنه يظهر الوجه في عدم ثبوت الدية لو عالج الجناية في الفرض وإن لم يكن واجباً عليه. كما ويظهر الوجه في عدم استحقاق المطالبة بالدية لو كان الجاني مقدماً على العلاج.
ويؤكّد ما ذكرنا معتبرة غياث: «ما دون السمحاق أجر الطبيب» الظاهر في كون زيادة الديات والأروش عن أجر الطبابة في غير السمحاق مفروضاً، فيكون كالمقيّد لإطلاق أدلّة الديات بما إذا لم تنقص عن اجرة الطبابة؛ لو كان هناك إطلاق فيها.
بل يمكن أن يُقال: إنّ أدلّة الديات ليست مسوقة لبيان الإطلاق لفرض إمكان العلاج، وإنّما هي ناظرة إلى تقويم الجناية فيما كانت الجناية معوّضة بالمال، ألا ترى أنّه لا يمكن التمسّك بإطلاق أدلّة الديات لفرض العمد في الجناية، وليس ذلك إلّا لكونها ناظرة إلى قيمة الجناية في فرض ثبوتها، لا إلى تعيين فرض ثبوت الدية من