المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨ - أدلّة وجوب معالجة الجاني للمجني عليه
وأمّا الكلام في الناحية الثانية- أعني عدم المانع لوجوب العلاج-: فعمدة ما يتصوّر مانعاً في المقام- بعد الأصل المقطوع بما عرفت من الوجوه والأدلّة- هي الأدلّة الدالّة على وجوب تدارك الجنايات بالديات والأروش؛ فإنّ إطلاقاتها المقاميّة بل اللفظيّة قد تقضي بعدم ثبوت شيء آخر سواها من علاج أو غيره.
والذي يخطر بالبال: أنّ الجنايات القابلة للعلاج على قسمين:
أحدهما: ما يبرأ عادةً ويرتفع أثره بصورة طبيعيّة كالجروح وكسر العظام ورضّها وما شاكل ذلك، ففي مثل ذلك لا يبعد أن يكون ظاهر أدلّة الديات والأروش هو جواز الاكتفاء بدفع الدية، وعدم وجوب المعالجة على الجاني، كما أنّ البرء لا يؤثّر في سقوط الدية.
ومفروض الكلام في هذا القسم ما كانت اجرة العلاج لمن يباشره هي دون الدية المقرّرة.
وأمّا إذا استلزم العلاج- حتّى على تقدير مباشرة المجني عليه له- بذل الزائد عن الدية فهذا يدخل في القسم الثاني.
والسرّ في جواز الاكتفاء ببذل الدية وتعيّنها هو ظهور دليلها في كونها ثابتة بمجرّد حدوث الجناية وعدم تأثير البرء الحاصل بصورة طبيعيّة بعلاج أو بدونه في سقوط الدية؛ حيث إنّها شرّعت في مورده.
ثانيهما: ما لا يبرأ على المعتاد وبصورة طبيعيّة، بل يحتاج البرء والعلاج إلى بذل عناية ومؤونة وصرف نفقات، وذلك كقطع الأعضاء ونحوه من إبطال المنافع، وربّما احتاج العلاج إلى تحمّل أسفار بعيدة وتكرّرها، وربّما تكون نفقة تلك الأسفار أضعاف الدية المقرّرة للعضو المقطوع، فهل إنّ ظاهر أدلّة الديات وإطلاقها في هذا القسم أيضاً يقتضي جواز الاكتفاء ببذل الدية والتخلّي عن تحمّل