المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٩ - الإحسان مع كون العمل غير مجّاني
إليه ذلك وأنّه في قبال العدل، قال في المفردات: «الإحسان يقال على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله؛ وذلك إذا علم علماً حسناً أو عمل عملًا حسناً ... إلى أن قال: فالإحسان فوق العدل؛ وذاك أنّ العدل هو أن يعطي ما عليه ويأخذ ما له، والإحسان أن يعطي أكثر ممّا عليه ويأخذ أقلّ ممّا له، فالإحسان زائد على العدل، فتحرّي العدل واجب، وتحرّي الإحسان ندب وتطوّع».
أقول: الظاهر أنّ الإحسان ليس له إلّاوجه واحد، ومعناه فعل الحسن، وأمّا كونه إنعاماً على الغير أو الإحسان في فعل نفسه لا بالغير فهو مفهوم من أداة التعدية، فإن قيل: أحسن إلى الغير دلّ على الإنعام، وإن قيل: أحسن في فعله أو اطلق دلّ على المعنى الثاني.
وأمّا ما أفاده في أنّ الإحسان مغاير للعدل، فإنّ العدالة في الفعل غير الإحسان، فإن أراد أنّ العدالة لا يصدق عليها الإحسان أصلًا فهو كما ترى؛ فإنّ من آجر نفسه لمعالجة مريض فإنّ مقتضى العدالة هو تسليم العمل والوفاء بالإجارة، ومع ذلك يعدّ هذا العمل إحساناً للمريض.
ويمكن أن يقال في ضابط الإحسان: إنّ العمل إذا كان واجباً على الشخص بغضّ النظر عن إقدامه قد لا يعدّ إحساناً، وأمّا إذا كان وجوبه عليه بإقدامه وقصده والتفاته يعدّ الفعل إحساناً. ولكن الظاهر صدق الإحسان مطلقاً.
وما أبعد احتمال منافاة الوجوب مع صدق الإحسان عن القول بصدق الإحسان بمجرّد كون الفعل مباحاً، كما يلوح من ابن إدريس وغيره. وسيأتي في الجهة الحادية عشرة.