تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٦٦٠ - كلل كلل
و إمَّا أَن تُجَرَّد، و إذا أُضِيْفَت فإمَّا إلى نَكِرةٍ و إمَّا إلى مَعْرفةٍ:
القسمُ الأوَّل: أن تُضَافَ إلى نَكِرةٍ فيَتَعَيّن اعْتبار المعْنَى فيمَا لها مِن ضَمِيرٍ و غيرِه، و المُرَاد باعْتِبار المعْنَى أنْ يكونَ على حَسَبِ المُضَاف إليه إنْ كانَ مُفْرداً فَمُفْرد، و إن كان مُثَنَّى فمُثَنّى، و إن كان جَمْعاً فجَمْع، و إن كان مُذَكراً فمذَكَّر، و إن كان مُؤَنَّثاً فمُؤَنَّث؛ ثم أَوْرَدَ لذلِكَ، شواهِد من كَلامِ الشُّعراءِ.
و القسمُ الثاني: أن تُضافَ لَفْظاً إلى مَعْرفةٍ فقد كَثُر إضافَته إلى ضميرِ الجَمْعِ و الخَبَر عنه مُفْرد كقَوْلِه تعالَى:
وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ فَرْداً [١] و نقلَ عن شيخِه أَبي حَيَّان قالَ: و لا يَكادُ يُوجدُ في لسانِ العَرَبِ كُلّهم يَقُومُون و لا كُلّهنَّ قائِمَات، و إن كان مَوْجوداً في تَمْثيلِ كَثِيرٍ مِن النُّحَّاةِ.
و نقلَ عن ابنِ السَّرَّاجِ: أنَّ كُلاًّ لا يَقَعُ على واحِدٍ في معْنَى الجَمْعِ إلاَّ و ذلِكَ الواحِدُ نَكِرَة و هذا يَقْتَضِي امْتِناع إضافَة كُلّ إلى المُفْرد المُعَرَّف بالأَلف و اللامِ التي يُرادُ بها العَمُوم.
و القسمُ الثالِثُ: أَن تَجَرَّد عن الإضَافَةِ لَفْظاً فيجوزُ الوَجْهان، قالَ تعالَى: وَ كُلٌّ أَتَوْهُ دََاخِرِينَ ؛ و كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ* [٢] . و قالَ ابنُ مالِكٍ و غيرُه مِن النُّحاةِ هنا:
إنَّ الإفْرادَ على اللّفْظِ و الجَمْع على المعْنَى، و هذا يدلُّ على أَنَّهم قَدَّروا المُضافَ إليه المَحْذوف في المَوْضِعَيْن جَمْعاً، فتارَةً رُوعِي كما إذا صرّحَ به، و تارَةً رُوعِي لَفْظ كُلّ ، و تكونُ حالَةُ الحَذْف مُخالِفَةً لحالَةِ الإثْباتِ. قالَ: و من لطيفِ القَوْل في كُلّ أَنَّها للاسْتِغْراق سَوَاء كانت للتَّأْكيدِ أَم لا، و الاسْتِغْراقُ لإجْزَاء ما دَخَلَتْ عليه إن كانت مَعْرفَةً، و لجزْئِيَّاتِه إن كانت نَكِرةً، و في أَحْكَامِها إذا قُطِعَت عن الإضافَةِ أن تكون في صَدْرِ الكَلامِ كقوْلِكَ: كُلّ يقُومُ، و كُلاًّ ضَرَبْت، و بكلٍّ مَرَرْت. و يقبحُ أَن تقولَ: ضَرَبْت كُلاًّ و مَرَرْت بكلٍّ ، قالَهُ السّهيليُّ.
فهذا ما اخْتَصَرْت من كَلامِ الشيخِ تَقيّ الدِّيْن، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى، و محلُّه مُصَنَّفات النَّحْو. و قالَ ابنُ الأثيرِ: مَوْضِعُ كُلّ الإحَاطَةُ بالجَمِيعِ، و قد جَاءَ اسْتِعْمالُه بمعْنَى بعضٍ و عليه حُمِل ١٧- قَوْلُ عُثْمان، رَضِيَ اللَّهُ عنه حينَ دُخِلَ عليه فقيلَ له: أَ بِأَمْرك هذا؟فقالَ: كُلُّ ذلِكَ أَي بَعْضه عن أَمْرِي و بَعْضه بغيرِ أَمْرِي. ؛ قالَ: و منه قَوْلُ الرَّاجزِ:
قالتْ له و قولُها مُرْعِيٌّ # إنَّ الشَّوَاءَ خَيْرُه الطَّرِيُّ
و كُلُّ ذاك يَفعَل الوَصِيُ [٣]
أَي قد يَفْعَل و قد لا يَفْعَل فهو ضِدٌّ. قالَ شيْخُنَا: و جَعَلوا منه أَيْضاً قَوْلَه تعالَى: ف كُلِي مِنْ كُلِّ اَلثَّمَرََاتِ [٤] ، و أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [٥] قالَ: و قد أَوْرَدَ بعضَ ذلِكَ الفيومي في مِصْباحِهِ و أَشارَ إليه ابنُ السَّيِّد في الانْصافِ.
و يقالُ: كلٌّ و بعضٌ مَعْرِفتانِ ، و لم يَجِيءْ عن العَرَبٍ بالأَلِفِ و اللاَّمِ و هو جائزٌ لأنَّ فيهما معْنَى الإضافَةِ أَضَفْت أو لم تُضِفْ، هذا نَصُّ الجوْهَرِيّ في الصِّحاحِ.
و في العُبَابِ: قالَ أَبو حاتِمٍ: قلْتُ للأصْمَعِيِّ في كتابِ ابنِ المُقَفَّع العِلْمُ كَثيرٌ و لكن أَخْذ البَعْضِ أَوْلَى مِن تَرْكِ الكُلِّ ، فأَنْكَره أَشَدّ الإنْكَارِ و قالَ: الألِفُ و اللامُ لا تَدْخُلان في بعضٍ و كلٍّ لأنّهما مَعْرفةٌ بغيرِ أَلِفٍ و لامٍ. قالَ أَبو حاتِمٍ: و قد اسْتَعْمَلَه الناسُ حتى سِيْبَوَيْه و الأَخْفَش في كتابَيْهِما لقلَّةِ عِلْمهما بهذا النَّحْوِ فاجْتَنِب ذلِكَ فإنَّه ليسَ مِن كَلامِ العَرَبِ. و كانَ ابنُ دَرَسْتَوَيْه يُجَوِّزُ ذلِكَ فخالَفَهُ جَمِيعُ نُحَّاةِ عَصْرِه، و قد ذُكِرَ في «ب ع ض» قالَ: و الذي يسامحُ ذلِكَ من المُتَأَخِّرين يقولُ فيهما معْنَى الإضْافَةِ أَضْفت أَو لم تُضِفْ.
قالَ شيْخنا: نَقْلاً عن أَبي حَيَّان قالَ: و من غَريبِ المَنْقولِ ما ذَهَبَ إليه محمدُ بنُ الوَليدِ من جَوَازِ حَذْف تَنْوين كُلّ جعلَه غايَة كقبْل و بَعْد، حَكَاه عنه أَبو جَعْفرٍ النَّحاس، و أَنْكَرَ عَلَيْهِ سُلَيْمان، لأنَّ الظُّروفَ خصَّتْ بعِلّة ليْسَتْ في غيرِها، و فيه كَلامٌ في همعِ الهَوَامع.
[١] مريم الآية ٩٥.
[٢] الأنبياء الآية ٣٣.
[٣] اللسان.
[٤] سورة النحل الآية ٦٩ و في الآية «ثُمَّ كُلِي» .
[٥] سورة النمل الآية ٢٣.