تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٢٥ - ضلل ضلل
الحَمْلِ على الضَّلالِ و الدُّخولِ فيه، كقَوْلِه تعالَى: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ اَلنََّاسِ [١] ، أَي ضَلُّوا بَسَبَبِها لأَنَّ الأَصْنامَ لا تَفْعلُ شيئاً و لا تَعْقِلُ.
و قالَ الرَّاغِبُ: الإضْلالُ ضَرْبان:
أَحَدُهما أَنْ يكونَ سَبَبَه الضَّلالُ و ذلِكَ على وجْهَيْن: إمَّا بأَنْ يضلَّ عَنْك الشَّيء كقَوْلِكَ أَضْلَلْت البَعيرَ أَي ضَلَّ عَنِّي، و إمَّا أَنْ يحْكمَ بضَلالَةٍ و الضَّلالُ في هذَيْن سَبَبٌ [٢]
للإِضْلالِ.
و الضَّربُ الثاني: أَنْ يكونَ الإضْلالُ سَبَباً للضَّلالِ و هو أَن يُزَيِّنَ للإِنْسانِ الباطِلَ ليَضلَّ كقَوْلِه تعالَى: [إذ هَمَّتْ طائِفَتَان] لَهَمَّتْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ مََا يُضِلُّونَ إِلاََّ أَنْفُسَهُمْ [٣] أَي يَتَحَرُّون أَفْعالاً يَقْصِدُون بها أَنْ تَضلَّ فلا يَحْصَل من فعْلِهم ذلِكَ، إلاَّ ما فيه ضَلالُ أَنْفُسِهم.
و قالَ عن الشَّيْطانِ وَ لَأُضِلَّنَّهُمْ وَ لَأُمَنِّيَنَّهُمْ [٤] .
و قالَ في الشَّيْطان وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً [٥] .
و إضْلالُ اللَّهِ تعالَى للإِنْسانِ على وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهما: أَنْ يكونَ سَببه الضَّلالَ و هو أَنْ يَضِلَّ الإنْسانُ فيَحْكُم اللَّهُ تعالَى عَلَيه بذلِكَ في الدُّنْيا و يَعْدلَ به عن طَريقِ الجَنَّة إلى النَّارِ في الآخِرَةِ، و ذلِكَ إضْلالٌ هو عَدْلٌ و حقٌّ، و الحُكْمُ على الضَّالِّ بضَلالِه و العُدُولُ به عن طريقِ الجَنَّةِ إلى النَّارِ عَدْلٌ.
و الثَّاني: من إضْلالِ اللَّهِ هو أَنَّ اللَّهَ تعالَى وَضَعَ جبلَّةَ الإنْسانِ على هَيْئَةٍ إذا رَاعَى طَريقاً مَحْموداً كانَ أَو مَذْموماً أَلِفَه و اسْتَطَابَه و لَزِمَه و تَعَسَّر [٦] صَرْفه و انْصِرَافَه عنه و يَصِيرُ ذلِكَ كالطَّبْعِ الذي يَأْبَى على الناقِلِ، و لذلِكَ قيلَ: العَادَةُ طَبْعٌ ثانٍ، و هذه القُوَّةُ في الإِنْسانِ فِعْلٌ إلهِيٌّ، و إذا كانَ كذلِكَ صحَّ أَنْ يُنْسَبَ ضلالُ العَبْدِ إلى اللَّهِ من هذا الوَجْه فيقالُ: أَضَلَّه اللَّهُ لأنَّ كلَّ شيءٍ يكونُ سَبَباً في وُقُوعِ فِعْلٍصحَّ نِسَبةُ ذلك الفِعْلِ إليه لا على الوَجْه الذي يَتَصَوَّرُه الجَهَلَةُ و لما قُلْنا جَعَلَ الإضْلالَ المَنْسوبَ إلى نَفْسِه للكَافِرِ و الفَاسِقِ دوْنَ المُؤْمِن بل نَفَى عن نَفْسِه إِضْلالَ المُؤْمِن، فقالَ: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدََاهُمْ [٧] ، و قالَ في الكَافِر، و الفاسِقِ: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمََالَهُمْ [٨] ... وَ مََا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفََاسِقِينَ [٩] ، ... كَذََلِكَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلْكََافِرِينَ [١٠] ... وَ يُضِلُّ اَللََّهُ اَلظََّالِمِينَ [١١] . و على هذا النَّحْوِ تَقْلِيب الأَفْئِدَة و الخَتْم على القَلْب و الزِّيادَة في المَرَضِ، انْتَهَى.
و يقالُ: هو ضَالٌّ تَالٌّ.
و قَوْلُه تعالَى: وَ لاَ اَلضََّالِّينَ [١٢] ، قيلَ: عَنَى بهم النَّصَارَى، و قَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ:
رَآها الفُؤادُ فاسْتُضِلَّ ضَلالُه # نِيَافاً من البِيضِ الكِرامِ العَطَابِلِ [١٣]
قالَ السُّكَّرِيُّ: طُلِبَ أَنْ يَضِلَّ فَضَلَّ كما يقالُ جُنَّ جُنونُه، و مِثْلُه في الصِّحاحِ: و يقالُ: ضَلَّ ضَلالُه، قالَ أَوْس بنُ حَجَرٍ:
إذا ناقةٌ شُدَّتْ برَحْل و نُمْرُقٍ # إلى حَكَمٍ بَعْدي فضَلَّ ضَلالُها [١٤]
و أَضَلَّه إضْلالاً: ضَيَّعَه و أَهْلَكَه.
و أَضَلَّه : وَجَدَه ضَالاً، كأَحْمَدَه و أَبْخَلَه، و منه ١٦- الحدِيثُ :
أَتَى قَوْماً فأَضَلَّهم . أَي وَجَدَهُم ضُلاَّلاً غَيْرَ مُهْتدِيْن إلى الحقِّ.
و قَوْلُه تعالَى: إِنَّ اَلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاََلٍ وَ سُعُرٍ [١٥] ، أَي هَلاكٍ.
[١] سورة ابراهيم الآية ٣٦.
[٢] في المفردات: سببُ الإضلال.
[٣] سورة النساء الآية ١١٣.
[٤] سورة النساء الآية ١١٩.
[٥] سورة يس الآية ٦٢.
[٦] المفردات: و تعذّر.
[٧] سورة التوبة الآية ١١٥.
[٨] سورة محمد الآية ٨.
[٩] البقرة الآية ٢٦.
[١٠] غافر الآية ٢٧.
[١١] إبراهيم الآية ٢٧.
[١٢] الفاتحة الآية ٧.
[١٣] ديوان الهذليين ١/١٤١ و اللسان.
[١٤] ديوانه ط بيروت ١٠٠ و اللسان.
[١٥] القمر الآية ٤٧.