تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٨٦ - عسل عسل
قلْتُ هذا الحدِيثُ قد رُوِي عن عمَّار بن ياسِرٍ بهذا الوَجْه كما ذَكَرَه ابنُ الجوزيّ في بعضِ مؤَلَّفَاتِه، و اعْتَرَضَ بعضُ مَن أَلَّفَ في تَفْضيلِ اللَّبَنِ على العَسَلِ أَنَّ هذا غَيْر وَارِدٍ، فإنَّ المذقَ هو خلطُ الشيءِ، فوَصْفُ العَسَل بأَنَّه مَخْلوطٌ في بُطونِها فلا ينافي الأوّل انتَهى.
قلْتُ: و هذا جَهْلٌ باللُّغَةِ العَربيَّة، فإنَّ المرادَ بالمذَقَةِ هنا ما تَمْذقُه بفِيها أَي تمجُّه، و المذْقُ كالمجِّ لا يكونُ بالفَمِ فتأمَّل.
أَو طَلٌّ خَفِيُ يُحْدثُه اللَّهُ في الهَواءِ يَقَعُ على الزَّهْرِ و غيرِه كأَوْراقِ الشَّجرِ فَيَلْقُطُه النَّحْلُ بإلْهامٍ من اللَّهِ تعالَى بأَفْواهِها، فإذا شَبِعَت الْتَقَطَتْ مرَّةً أُخْرى من تِلْكَ الأَجْزاءِ و ذَهَبَتْ به إلى بيوتِها و وَضَعَتْه هنالِكَ، فهو العَسَلُ .
و قيلَ في هذا الطَّلِّ اللَّطيفِ الخَفِيِ هو بُخارٌ يَصْعَدُ فَيَنْضَجُ في الجَوِّ فَيَسْتَحيلُ فَيَغْلَظُ في اللّيْلِ من بردِ الهَواءِ فَيَقَعُ عَسَلاً. قالَ الإمامُ الرَّازِيّ في تفْسِيرِه: و هذا أَقْرَبُ إلى العَقْلِ و أَشَدُّ مناسَبَة للإسْتِقْراءِ، فإنَّ طَبِيعَةَ الترنْجَبِيْن قَرِيبةٌ من العَسَلِ و لا شكَّ أنَّه طَلٌّ يحدثُ في الهَواءِ و يَقَعُ على أطْرافِ الأشْجارِ و الأَزْهارِ، و أَيْضاً نحنُ نُشاهِدُ أَنَّ النَّحْلَ يَغْتذِي بالعَسَلِ ، و إذا اسْتُخْرِجَ من بيوتِها تُرِكَ لها منه ما تأْكُلُه، انتَهَى.
قلْتُ ظاهِرُ كَلام الرَّازِي أَنَّه طَلٌّ تَحْمِلُه بأَفْواهِها و تَضَعُه في بيوتِها فَيَنْعقِد عَسَلاً، و ظاهِرُ القُرْآنِ يُخالِفُه، فإنَّه نَصّ على أَنَّه يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهََا ، و الظاهِرُ أَنَّه بعْدَ اسْتِقْرارِه في بُطونِها تقْذفُه عَسَلاً بقُدْرَةِ السَّمِيع العَلِيم كما يُخْرجُ اللَّبَن مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ ... أَنَّهُ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* ، فتأمَّل.
و قد يَقَعُ العَسَلُ ظاهِراً فَيَلْقُطه الناسُ. و ذَكَرَ الكواشي في تفْسِيرِه الأَوْسَطِ: أَنَّ العَسَلَ يَنْزِلُ من السَّماءِ على هَيْئةِ فيثبتُ في أَماكِنَ فتَأْتي النَّحْلُ فتَشْربُه ثم تأْتي الخَلِيَّة فتُلْقِيه في الشَّمْعِ المُهَيَّأ للعَسَلِ ، لا كما تَوَهَّمَه بعضُ الناسِ أنَّه من فُضُلاتِ الغِذاءِ، و أنَّه قد اسْتَحالَ في المَعِدَة عَسَلاً، هذه عبارَتُه.
قُلْتُ و هو قَريبٌ ممَّا سَاقَه الرَّازِي، و كلُّ ذلك فيه دَلاَلةٌ على أنَّه مخرجه من أَفْواهِ النَّخْلِ، و هو مَذْهَبُ الجمْهُور، و قد أُشْكِلَ ذلِكَ على المُتَقَدِّمِيْن حتى إنَّ أرسطاطَالِيس لمَّا تحيَّر في تَحْقيقِ هذا الأَمْر صَنَعَ لها خَلاَيا من زُجاجٍ ليَنْظُرَ إلى كَيْفيَّة ذلِكَ فأَبَتْ أَن تعسلَ فيه حتى لطخته مِن باطِن الزُّجَاجِ بالطِّيْن فلم يتحقّق، حَكَاه الغزْنويُّ. و الحقُّ أنَّه لا يَعْلَم بحَقِيقَة خُرُوجِه إلاّ خالِقُه سُبْحانه و تعالَى، لكن لا يتمُّ إصلاحه إلاَّ بحمى أَنْفَاسِها.
و قالَ شَيْخُنا: كَلامُ المصنِّفِ في العَسَلِ غَيْرُ سَدِيدٍ، و خِلاَفَاتُه غَيْرُ مَنْقولَةٍ عن الواضِعِ و لا مَسْموعَة عن العَرَبِ الذين هم قُدْوُة كلِّ مُتَكلِّمٍ مُجِيدٍ، و خُصوصاً دَعْوَى أَنَّه بُخارٌ الخ، ما مالَ المصنِّفُ به لرَأْي الحُكَماءِ و أَهْل التَّصْعيد فهو قَوْلٌ باطِلٌ لا يُعْرَفُ لإمَامٍ كامِلٍ، فيجبُ الحَذَرُ مِنْ إيرادِهِ في المُصنَّفات المَوْضُوعةِ في كَلامِ العَرَبِ افراداً و تَرْكِيباً، انتهى.
قلْتُ: و ذهل شيْخنا أَنَّ كتابَه هذا البَحْر المحيط و أَنَّ من شأْنِه جَلْب الأَقْوال من كلِّ مَديدٍ و وَسِيْطٍ و قد عَرَّفْناك أَنَّ الأَقْوالَ المَذْكُورةَ للرَّازِي و الغَزْنوي و الكواشي صاحِبُ الوَسِيطِ و كَفَى بهَؤُلاء قُدْوَةً و مُتَّبعاً لكلِّ مُدَّعٍ مُحيطٍ.
و أَفْرَدْتُ لمنَافِعِه و أَسْمائِهِ كِتاباً. و قالَ شيْخُنا: تَصْنِيفُه هذا مُخْتَصر في نَحْوِ وَرَقَتَيْن فيه فائِدَةٌ مّا.
قلْتُ: إن كانَ المُرادُ به تَرْقِيق الأَسَل لتَصْفِيق العَسَل فهو نَحْو كُرَّاسَيْنِ و أَزْيَد، و قد رَأَيْته و طَالَعْته و اسْتَفَدْت منه، فكيفَ يقولُ شيْخنا في نَحْوِ وَرَقَتَيْن، فتأمَّلْ ذلِكَ و منافِعُه كَثِيرَةٌ جدّاً أَفْرَدَها الأطبَّاء في تَصَانِيفِهم، ليسَ هذا مَحَلّ ذِكْرِها، و هو غذاءٌ مع الأَغْذِيَةِ، و دواءٌ مع الأَدْوِيةِ، و شَرَابٌ مع الأَشْربةِ، و حلوٌ مع الحَلاوَةِ [١] و طلاءٌ مع الأَطْليةِ، و مفرحٌ مع المُفْرحات. و ١٦- في سُنَنِ ابن ماجَه من حدِيثِ ابنِ مَسْعودٍ رَفَعَه : العَسَلُ شفاءٌ من كلِّ داءٍ و القرْآنُ شِفََاءٌ لِمََا فِي اَلصُّدُورِ فعلَيْكُم بالشفاءَيْن القُرْآن و العَسَل .
يُذَكَّرُ و يُؤَنَّثُ ، و التَّذْكِيرُ لُغَةٌ مَعْروفةٌ، و التَّأْنيثُ أَكْثَر، كما في المِصْباحِ، و بِهِ جَزَمَ القزَّازُ في الجامِع، قالَ الشمَّاخُ:
[١] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: الحلاوة، كذا بخطه، و الصواب:
الحلاوي كما في المصا.