تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٢١ - ضلل ضلل
لقد زَعَمَتْ أُمامَةُ أَنَّ ما لي # بَنِيَّ و أَنَّني رَجُلٌ ضَلُولُ [١]
و ضَلِلْتَ الدَّارَ و المَسْجدَ و الطَّريقَ، كمَلِلْتَ، و كلُّ شيءٍ مُقيمٍ ثابِتٍ لا يُهْتَدَى له.
و ضَلَّ هو عنِّي ضَلالاً و ضلالَةً أَي ذَهَبَ.
و في الصِّحاحِ: قالَ ابنُ السِّكِّيت ضَلَلْت المَسْجدَ و الدَّارَ إذا لم تَعْرفْ مَوْضِعَهما، و كذلِكَ كلُّ شيءٍ مُقيمٍ لا يُهْتَدَى له.
قالَ ابنُ بَرِّي: قالَ أَبُو عَمْرٍو بنُ العَلاءِ: إذا لم تَعْرفِ المَكَانَ قلْتَ ضَلَلْتُه ، و إذا سَقَطَ من يَدِكَ شيءٌ قلْتَ أَضْلَلْته ، قالَ: يَعْنِي أَنَّ المَكانَ لا يَضِلُّ و إنَّما أَنْتَ تَضِلُّ عنه، و إذا سَقَطَتِ الدَّراهمُ منك فقد ضَلَّتْ عنك، تقولُ للشَّيءِ الزَّائِلِ عن مَوْضِعِه: قد أَضْلَلْته ، و للشَّيءِ الثابِتِ في مَوْضِعِه إلاَّ أَنَّك لم تَهْتَدِ إليه: ضَلَلْته ، قالَ الفَرَزْدَقُ:
و لقد ضَلَلْت أَبَاكَ يَدْعُو دارِماً # كضَلالِ مُلْتَمِسٍ طَريقَ وَبارِ [٢]
و أَضَلَّ فلانٌ البعيرَ و الفَرَسَ: ذَهَبَا عنه و اتْفَلَتا.
قالَ أَبُو عَمْرٍو: و أَضْلَلْت بَعِيرِي إذا كانَ مَعْقولاً فلم نَهْتَدِ لمَكَانِه، و أَضْلَلْته إضْلالاً إذا كان مُطْلَقاً فذَهَبَ و لا تَدْرِي أَيْن أَخَذَ. و كلُّ ما جَاءَ من الضَّلالِ من قِبَلِك قلْتَ ضَلَلْته ، و ما جَاءَ من المَفْعولِ به قلْتَ أَضْلَلْته ، كضَلَّهُما. قالَ يونُس: يقالُ في غيرِ الثابِتِ ضَلَّ فلانٌ بَعِيرَه أَي أَضَلَّه .
قالَ الأَزْهَرِيُّ: خالفَهُم يونُس في هذا.
و ضَلَّ الشَّيءُ يَضِلُّ ، أَي بفتحِ العَيْنِ في المَاضِي و كَسْرِها في المضَارِعَ و تُفْتَحُ الضَّادُ في المضَارعِ أَي مَعَ كَسْرِ العَيْنِ في المَاضِي، و بهذا ينْدَفِعُ ما أَوْرَدَه شيْخُنا قَضِيّته فَتْحِ الضَّادِ في مُضَارعِ ضَلَّ المَفْتُوح و لا وَجْه له إذ لا حَرْف حَلْقٍ فيه، و المَفْتُوحُ إنّما سُمِعَ في المَكْسورِ العَيْنِ كمل و اللهُ أَعْلم انتهى. نعم لو قالَ: و ضَلُّ كزَلَّ و مَلّ لانْدَفَعَت عنه الشُّبْهَةُ.
ضَلالاً مَصْدَرٌ لهما كسَمِعَ يسْمعُ سَمَاعاً: ضَاعَ ، و منه قَوْلُه تعالَى: ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا [٣] ، أَي ضَاعَ و هو مجازٌ.
و ضَلَّ الرجُلُ: مَاتَ و صارَ تُراباً و عِظاماً فَضَلَّ فلم يَبِنْ شيءٌ من خَلقِه، و في التَّنْزيلِ العَزِيزِ: أَ إِذََا ضَلَلْنََا فِي اَلْأَرْضِ [٤] ، أَي مِتْنا و صِرْنا تُراباً و عِظَاماً فَضَلَلْنا في الأَرْضِ فلم يَتَبَيَّنْ شيءٌ من خَلْقنا، و قالَ الرَّاغِبُ هو كنايَةٌ عن المَوْتِ و اسْتِحَالَةِ البَدَنِ، و قُرِىءَ بالصَّادِ كما تقدَّمَ.
و ضَلَّ الشَّيءُ إذا خَفِيَ و غَابَ ، و منه: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ، و هو مجازٌ.
و يقالُ: ضَلَّ الكَافِرُ إذا غَابَ عن الحُجَّةِ، و ضَلَّ النَّاسِي إذا غَابَ عنه حفْظُه.
و ١٦- في الحدِيثِ : «أنَّ رَجُلاً أَوْصَى بَنِيه إذا مِتُّ فاحْرِقُوني فإذا صِرْتُ حمماً فاسْهَكُوني ثم ذَرُّوني لَعَلِّي أَضِلُّ اللّهَ» .
أَي أَغِيبُ عن عَذَابِ اللَّهِ، و قالَ القُتَيْبيُّ: أَي لَعَلِّي أَفُوتُ اللَّهَ و يَخْفَى عليه مَكَاني.
و ضَلَّ فلانٌ فلاناً: أُنْسِيَهُ. و الضَّلالُ: النِّسْيَان، و منه قَوْلُه تعالَى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَدََاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا فَتُذَكِّرَ إِحْدََاهُمَا اَلْأُخْرىََ [٥] ، أَي تَغِيب عن حِفْظِها أَو يَغِيب حِفْظها عنها. قالَ الرَّاغِبُ:
و ذلِكَ من النِّسْيان المَوْضُوع في الإِنْسانِ، و قُرِىءَ: إنْ تَضِلَّ ، بكَسْرِ الهَمْزَةِ، فمن كَسَرَ «إنْ» فالكَلامُ على لَفْظِ الجَزَاءِ و معْنَاه، قالَ الزَّجَّاجُ: المعْنَى في «إنْ تَضِلَّ » إنْ تَنْسَ إحْدَاهما يُذَكِّرْها الذَّاكِرَةُ، قالَ: و تُذْكِر و تُذَكِّر رَفْعٌ مَعَ كَسْرِ «إِنْ» لا غَيْر، و من قَرَأَ أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا فَتُذَكِّرَ ، و هي قِرَاءَةُ أَكْثَر الناسِ، فَذَكَرَ الخَلِيلُ و سِيْبَوَيْه أَنَّ المعْنَى اسْتَشْهِدوا امْرَأَتَيْن لأنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهما الأُخْرى و مِنْ أَجْلِ أَنْ تُذَكِّرَها، فإنْ قالَ إنْسانٌ: فَلِمَ جَازَ أَنْ تَضِلَّ و إنَّما أُعِدُّ هذا للإذْكَار، فالجَوابُ عنه: أَنَّ الإِذْكَارَ لما كانَ سَبَبَه الإِضْلال
[١] اللسان.
[٢] ديوانه ط بيروت ١/٣٦٠ برواية: «تطلب دارماً» و اللسان.
[٣] سورة الكهف الآية ١٠٤.
[٤] السجدة الآية ١٠.
[٥] البقرة الآية ٢٨٢.