تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٥٠٤ - عقل عقل
عقل [عقل]:
العَقْلُ : العِلْمُ ، و عليه اقْتَصَرَ كَثِيرُونَ.
و في العُبَابِ: العَقْلُ الحِجْر و النّهْيَة، و مِثْلُه في الصِّحاحِ.
و في المُحْكَمِ: العَقْلُ : ضِدُّ الحُمْقِ أَو هو العِلْمُ بصِفاتِ الأَشْياءِ من حُسْنِها و قُبْحِها و كَمالِها و نُقْصانِها. أَو هو العِلْمُ بخَيْرِ الخَيْرَيْنِ و شَرِّ الشَّرَّيْنِ، أَو مُطْلَقٌ لأُمورٍ أَو لقُوَّةٍ بها يكونُ التمييزُ بينَ القُبْح و الحُسْن و لِمَعَانٍ مُجْتَمِعةٍ في الذّهْنِ يكونُ بمُقَدِّماتٍ يَسْتَتِبُّ بها الأَغْراضُ و المصالِحُ، و لهَيْئَةٍ مَحْمودةٍ للإنْسانِ في حَرَكاتِه و كَلامِه ، هذه الأَقْوالُ التي ذَكَرَها المصنِّفُ كُلُّها في مصنَّفاتِ المَعْقُولات لم يعرج عليها أَئِمّة اللّغَةِ، و هناك أَقْوالٌ غيرُها لم يَذْكُرها المصنِّفُ.
قالَ الرَّاغبُ: العَقْلُ يقالُ للقُوَّةِ المُتَهَيِّئَةِ لقُبُول العِلْمِ، و يقالُ للذي يَسْتَنْبطُه الإنْسانُ بتِلْك القُوَّةِ عَقْلٌ [١] ، و لهذا ١- قالَ عليٌّ، رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه : العَقْل عَقْلان مَطْبوعٌ و مَسْموعٌ، فلا يَنْفع مَطْبوع إذا لم يَكُ مَسْموع، كما لا يَنْفَعُ ضَوْء الشَّمْس و ضَوْء العَيْن مَمْنوع. و إلى الأوَّلِ ١٤- أَشَارَ النبيُّ، صَلَّى اللََّهُ عَلَيهِ و آلِه و سلّم ، «ما خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَكْرَمَ مِنَ العَقْلِ » . و إلى الثاني ١٤- أَشَارَ بقولِه : «ما كسبَ أَحدٌ شيئاً أَفْضَل مِنْ عَقْل يَهْديه إلى هُدًى أَو يَردّه عن رَدًى» . و هذا العَقْل هو المَعْنيُّ بقوله عزَّ و جلّ: وَ مََا يَعْقِلُهََا إِلاَّ اَلْعََالِمُونَ [٢] ، و كلُّ مَوْضع ذمَّ اللَّهُ الكُفَّار بعَدَمِ العَقْل فإشَارَة إلى الثاني دوْنَ الأوَّل كقَوْلِه تعالَى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاََ يَعْقِلُونَ [٣] ، و نَحْو ذلِكَ من الآياتِ، و كلُّ مَوْضِعٍ رُفِعَ التَّكْلِيفُ عن العَبْدِ لعَدَمِ العَقْل فإشارَةٌ إلى الأوَّلِ، انتَهَى.
و في شَرْح شيْخنا قالَ ابنُ مَرْزوقٍ: قالَ أَبو المَعَالي في الإرْشادِ: العَقْل هو عُلُوم ضرورية بها يَتَميَّز العاقِلُ من غيرِه إذا اتَّصَفَ، و هي العِلْم بوُجُوب الوَاجِبات و اسْتِحالَةِ المُسْتَحِيلات و جَوَاز الجائِزَات، قالَ: و هو تفْسِيرُ العَقْل الذي هو شَرْطٌ في التَّكْلِيف، و لَسْنا نَذْكُرُ تَفْسِيرَه بغيرِ هذا، و هو عنْدَ غيرِه من الهَيْئاتِ و الكَيْفِيات الرَّاسِخَة من مَقُولةِ الكَيْف، فهو صفَةٌ رَاسِخةٌ تُوجِب لمَنْ قامت به إدْرَاك المُدْرَكات على ما هي عليه ما لم تَتَّصف بضدِّها. و في حَوَاشِي المطالعِ: العَقْلُ جَوْهر مُجَرَّد عن المادَّةِ لا يَتَعَلَّق بالبَدَنِ تَعَلُّق التَّدْبير بل تَعَلُّق التَّأْثِير.
و في العَقائِدِ النَّسْفية: أَمَّا العَقْل و هو قُوَّةٌ للنَّفْس بها تَسْتَعِدّ للعُلُومِ و الإدْرَاكاتِ و هو المَعْنِيّ بقَوْلِهم: غَرِيزَة يتبعها العِلْمُ بالضَّرُورِيَّات عنْدَ سَلامَةِ الآلاتِ و قيلَ. جَوْهَرٌ يُدْركُ به الغَائِبات بالوَسَائِطِ و المُشَاهَدَات بالمشاهَدَةِ.
و في المَواقِفِ: قالَ الحُكَماءُ الجَوْهَر إن كانَ حالاً في آخرَ فصُورَةٌ و إن كانَ محلاً لها فهَيُولَى، و إن كان مُرَكَّباً منهما فجِسْم و إلاَّ فإن كان مُتَعَلِّقاً بالجِسْم تَعَلُّق التَّدْبِير و التَّصَرُّف فنَفْس و إلاَّ فعقل ، انتَهَى.
و قالَ قومٌ: العَقْلُ قُوَّةٌ و غَرِيزَةٌ أَوْدَعَها اللَّهُ سُبْحانه في الإنْسانِ ليَتَميَّز بها عن الحَيَوان بإدْرَاكِ الأُمُورِ النَّظِرِيَّة، و الحَقُّ أَنَّه نورٌ رُوحانِيٌ يُقْذَف به في القَلْب أَو الدِّماغِ، به تُدْرِكُ النَّفسُ العلومَ الضَّرورِيَّةَ و النَّظَرِيَّةَ ، و اشْتِقَاقه من العَقْل و هو المَنْع لمنْعِهِ صاحِبِه ممَّا لا يليقُ أَو من المعقل و هو المَلْجأ لالْتِجَاء صاحِبِه إليه كذا في التَّحْريرِ لابنِ الهمام.
و قالَ بعضُ أَهْلِ الاشْتِقَاقِ: العَقْلُ أَصْلٌ معْناه المَنْعُ، و منه العقالُ للبَعيرِ سُمِّي به لأنّه يُمْنَعُ عمَّا لا يليقُ قالَ:
قد عَقَلْنا و العَقْل أَيّ وثاقِ # و صَبَرْنا و الصَّبْر مُرّ المَذَاق
و في الإرْشادِ لإمامِ الحَرَمَيْن: العَقْلُ من العُلُومِ الضَّرُوريَّةِ، و الدَّلِيلُ على أَنَّه من العُلومِ اسْتِحالَة الاتِّصاف به مع تَقْدِيرِ الخُلُوِّ من جَمِيع العُلومِ، و ليسَ العَقْل من العُلوم النَّظَرِيَّةِ إذ شَرْط النَّظَر تَعَذّر العَقْل ، و ليسَ العَقْل جَمِيْع العُلوم الضَّرُورِيَّة فإنَّ الضَّرِيرَ و من لا يُدْرِكُ يَتَّصِفُ بالعَقْلِ مع انْتِفاءِ عُلُومٍ ضَرُورِيَّةٍ عنه، فبَانَ بهذا أَنَّ العَقْلَ من العُلومِ الضَّرُورِيَّةِ و ليسَ كُلّها، انتهَى.
و قالَ بعضُهم: اخْتلفَ الناسُ في العَقْلِ من جِهَات هل له حَقِيقَة تُدْرَكُ أَو لا قولان، و على أَنَّ حَقِيقَةً هل هو جَوْهَر أَو عَرْض قولان، و هل مَحَلّه الرأْس أَو القَلْب قولان، و هل العُقُولُ مُتَفاوِتَة أَو مُتَساوِيَة قولان، و هل هو اسمُ جنْس أَو
[١] في المفردات: و يقال للعلم الذي يستفيده الانسان بتلك القوة عقلٌ.
[٢] العنكبوت الآية ٤٣.
[٣] البقرة الآية ١٧١.