تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٦٨١ - مثل مثل
قالَ ابنُ سِيْدَه: و منه قوْلُه تعالَى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ [١] و قالَ اللَّيْثُ: مَثَلُها هو الخبرُ عنها.
و قالَ أَبو إسحْق: معْنَاه صِفَة الجَنَّة.
قالَ عُمَرُ بنُ أَبي خليفَةَ: سَمِعْت مُقاتِلاً صاحِبَ التفْسِير يسأَلُ أَبا عَمْرو بن العَلاءِ عن هذه الآيةِ فقالَ: ما مَثَلُها ؟ فقالَ فيها: فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ قالَ: ما مَثَلُها ؟ فسكَتَ أَبو عَمْرو، قالَ: فسأَلْتُ يونس عنها فقالَ: مَثَلُها صِفَتُها.
قالَ محمدُ بنُ سلام: و مَثَل ذلِكَ قوْلُه: ذََلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ [٢] أَي صِفَتُهم.
قال الأَزْهرِيُّ: و نحوُ ذلِك رُوِي عن ابنِ عَبَّاسٍ، و أَمَّا جَوابُ أَبي عَمْرو لمُقاتِل حينَ سأَلَه: ما مَثَلُها فقالَ؛ فِيهََا أَنْهََارٌ مِنْ مََاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ، ثم تكْرِيرُه السُّؤالَ: ما مَثَلُها و سكُوت أَبي عَمْرو عنه، فإنَّ أَبا عَمْرو أَجابَهُ جَواباً مُقْنِعاً، و لمَّا رَأَى نَبْوةَ فَهْمِ مُقاتِل سَكَتَ عنه لما وَقَفَ مِن غلَظِ فَهْمِه، و ذلِكَ أَنَّ قوْلَه تعالَى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ تفْسِيرٌ لقوْلِه تعالَى: إِنَّ اَللََّهَ يُدْخِلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ جَنََّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ [٣] وَصَفَ تلْكَ الجنَّاتِ فقالَ: مَثَلُ الجنَّة التي وصفْتُها، و ذلِكَ مِثْل قوْلِه: مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرََاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ ، أَي ذلِكَ صِفَةُ محمدٍ، صلَّى اللّهُ تعالَى عليه و سلَّم، و أَصْحابه في التَّورَاة؛ ثم أَعْلَمهم أَنَّ صفَتَهم في الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ .
و قالَ الأزْهَرِيُّ: و للنَّحويِّين في قوْلِه تعالَى: مَثَلُ اَلْجَنَّةِ اَلَّتِي وُعِدَ اَلْمُتَّقُونَ قولٌ آخَرَ قالَهُ محمدُ بنُ يَزِيد المبرِّدُ في كتابِ المقُتَضب، قالَ: التَّقديرُ فيما يُتْلَى عليكم: مَثَلُ الجنَّة ثم فيها و فيها، قالَ و مَنْ قالَ إنَّ معْناه صِفَةُ الجنَّةِ فقد أَخْطأَ لأَنَّ مَثَل لا يُوضَعُ في مَوْضعِ صِفَةٍ، إنَّما يقالُ: صِفَةُ زَيْدٍ إنَّه ظَرِيفٌ و إنَّه عاقِلٌ. و يقالُ: مَثَلُ : زيدٍ مَثَلُ فلانٍ، إنَّما المَثَلَ مأْخوذٌ مِن المِثَالِ و الحَذْوِ، و الصِّفةُ تحْلية و نَعْتٌ انتَهَى.
قلْتُ: و مثْلُ ذلِكَ لأبي عليِّ الفارِسِيِّ فإنَّه قالَ: تفْسِيرُ المَثَلِ بالصِّفَةِ غيرُ مَعْروفٍ في كَلاَمِ العَرَبِ، إنَّما معْناه التَّمْثِيل .
قالَ شيْخُنا: و يمكنُ أَنْ يكونَ إطْلاقه عليها مِن قَبيلِ المجازِ لعَلاقَةِ الغَرَابَةِ.
و امْتَثَلَ عندَهُم مَثَلاً حَسَناً ؛ و كذا امْتَثَلَهم مَثَلاً حَسَناً و تَمَثَّلَ أَي أَنْشَدَ بَيْتَاً، ثم آخَرَ، ثم آخَرَ، و هي الأُمْثُولَةُ بالضمِ.
و تَمَثَّلَ بالشَّيءِ: ضَرَبَهُ مَثَلاً ؛ يقالُ: هذا البَيْتُ مَثَل يَتَمَثَّله و يَتَمَثَّل به.
و المِثَالُ ، بالكسرِ: المِقدارُ و هو مِن الشِّبْه، و المِثْل : ما جُعِلَ مثالاً ، أي مقداراً لغَيْرِه، يُحْذَى عليه، و الجَمْعُ أَمْثِلَةٌ و مُثُلٌ ، و منه أَمْثِلةُ الأفْعالِ و الأسْماءِ في بابِ التَّصْرِيفِ.
و قالَ أَبو زَيْدٍ: المِثالُ القِصَاصُ و هو اسمٌ مِن أَمْثَلَه إِمْثالاً، كالقِصَاص اسمٌ مِن أَقصَّه إِقْصاصاً.
و المِثالُ : صِفَةُ الشَّيءِ، و أَيْضاً: الفِرَاشُ ، و منه ١٧- حدِيّث عبْد اللّهِ بن أَبي نهيك : أَنّه دَخَلَ على سعْدٍ، رَضِيَ اللّهُ تعالَى عنه، و عنْدَه مِثالٌ رَثَّ أَي فِراشٌ خَلَقَ، و في حدِيْثٍ آخَر: «فاشْتَرَى لكلِّ واحِدٍ منهم مِثالَيْن » . قالَ جريرُ: قلْتُ للمُغِيرْة: ما مِثَالاَن ؟قالَ: نَمَطان، و النَّمَطُ ما يُفْترشُ مِن مَفارِش الصُّوف الملوَّنَةِ؛ قالَ الأَعْشَى:
بكلِّ طُوَالِ السَّاعِدَيْنِ كأَنَّما # يَرَى بِسُرَى الليلِ المِثالَ المُمَهَّدا [٤]
ج أَمْثِلَةٌ و مُثُلٌ ، بضمَّتَيْن، و إِن شئْت خَفَّفْت.
و تَماثَلَ العليلُ: قارَبَ البُرْءَ فصَارَ أَشْبَهَ بالصَّحيحِ مِن العَليلِ المَنْهوكِ، و قيلَ: هو مِن المُثولِ و هو الانْتِصابُ كأَنَّه هَمَّ بالنُهوضِ و الانْتِصابِ.
و في الصِّحاحِ تَماثَلَ مِن عِلَّتِه أَي أَقْبَلَ.
و الأَمْثَلُ : الأَفْضَلُ ؛ يقالُ هو أَمْثل قوْمِه أَي أَفْضَلهم.
و قالَ أَبو إِسْحق: الأَمْثَلُ ذو العَقْلِ [٥] الذي يَسْتحقُّ أَنْ يقالَ: هو أَمْثَلُ بَنِي فلانٍ. و ١٦- في الحدِيْث : «أَشَدُّ الناسِ بَلاءً
____________
[١] الرعد الآية ٣٥.
[٢] الفتح الآية ٢٩.
[٣] الحج الآية ١٤.
[٤] اللسان و التهذيب.
[٥] اللسان: ذو الفضل.