المبسوط مسائل طبيه - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٥ - مؤيّد لاستناد الجناية إلى السبب
دائماً، خلافاً لما قدّمناه من كون التسبيب أعمّ من الاستناد، فتكون قاعدة الغرور على القاعدة غنيّة عن دليل خاصّ.
فالتسبيب إلى وقوع أمر- كالخسارة- يوجب انتسابه أيضاً إلى السبب إذا كان المباشر جاهلًا، فكما أنّ من دعا غيره للمرور على مكان فيه حفيرة والمارّ جاهل بها يعدّ جانياً وقاتلًا لو تحقّق القتل بالوقوع فيها، ويقتصّ منه. ومنشأ النسبة تغريره له، فكيف لا تنتسب جناية غير القتل إلى الغارّ لو دعاه إلى المرور على الحفيرة ليتلف مال المارّ الذي معه؟!
وكذا لو أغراه بالذهاب إلى أرض مسبعة فافترسه الوحش أو إلى مسيل فذهب السيل بماله؟! وأيّ فرق بين هذا وبين ما إذا هداه إلى فخّ باشر هو نصبه، سوى أنّ ذهاب المغرور كان بالاختيار لا بالإلجاء كما لو ألقاه مكتوفاً إلى الوحوش.
وبالجملة: فكلّ أمر لا يشترط في انتسابه المباشرة ينسب إلى السبب كما ينسب إلى الآمر به وإلى مباشره. نعم، يشترط عدم علم المباشر في صدق نسبته إلى السبب، وإلّا فيعدّ السبب من قبيل الشرط، كمن أعطى سكّيناً لمن يريد قتل الغير لاينسب معه القتل إلّاإلى المباشر.
ولعلّ نفي نسبة الشيء الواقع إلى الغارّ مع ذلك إنّما يكون مجازاً بعناية تقدير المباشرة التي لا تنافي صحّة النسبة المطلقة، التي هي الملاك في كون الإطلاق حقيقيّاً؛ حيث يكشف عن عدم دخل المباشرة في المعنى الحقيقي.
كما وربما يتبرّأ المباشر من الأمر وينفيه عن نفسه ولكن يريد ذلك بتقدير القصد والعمد مجازاً؛ الذي لاينافي الانتساب إليه بقول مطلق، الذي هو الملاك في الإطلاق الحقيقي؛ حيث يكشف عن عدم كون العمد دخيلًا في المعنى الحقيقي.