مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٥٧ - (٥) باب خطبة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) في مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم)
ابتعثه اللّه تعالى إتماما لأمره، و عزيمة على إمضاء حكمه، و إنفاذا لمقادير حتمه [١] فرأى الامم فرقا في أديانها، عكّفا على نيرانها [٢]، عابدة لأوثانها، منكرة للّه
مع عرفانها [٣]، فأنار اللّه بأبي محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ظلمها [٤]، و كشف عن القلوب بهمها [٥]، و جلى عن الأبصار غممها [٦] و قام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، و بصّرهم من العماية، و هداهم إلى الدين القويم، و دعاهم إلى الطريق المستقيم.
ثمّ قبضه اللّه إليه قبض رأفة و اختيار، و رغبة و إيثار [٧]؛
فمحمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) [٨] من تعب هذه الدار في راحة، قد حفّ بالملائكة الأبرار، و رضوان
[١] الإضافة في مقادير حتمه من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة أي مقاديره المحتومة؛
[٢] تفصيل و بيان للفرق بذكر بعضها يقال: عكف على الشيء، كضرب و نصر: أي أقبل عليه مواظبا و لازمه فهو عاكف و يجمع على عكّف- بضمّ العين و فتح الكاف المشدّدة- كما هو الغالب في فاعل الصفة، نحو شهّد و غيّب. و النيران: جمع نار و هو قياس مطّرد في جمع الأجوف نحو تيجان و جيران؛
[٣] لكون معرفته تعالى فطريّة، أو لقيام الدلائل الواضحة الدالّة على وجوده سبحانه؛
[٤] و الضمير في ظلمها راجع إلى الامم و الضميران التاليان له يمكن إرجاعهما إليها و إلى القلوب و الأبصار. و الظلم- بضمّ الظاء و فتح اللام- جمع ظلمة استعيرت هنا للجهالة؛
[٥] البهم، جمع بهمة- بالضمّ-: و هي مشكلات الامور. و جلوت الأمر: أوضحته و كشفته؛
[٦] و الغمم: جمع غمّة، يقال: أمر غمّة أي مبهم ملتبس، قال اللّه تعالى: ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً؛
قال أبو عبيدة: مجازها ظلمة و ضيق و تقول: غممت الشيء إذا غطّيته و سترته، و الغمامة الغواية و اللجاج، ذكره الفيروزآبادي؛
[٧] و اختيار: أي من اللّه له ما هو خير له، أو باختيار منه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و رضا، و كذا الإيثار، الأوّل أظهر فيهما؛
[٨] بمحمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) من تعب هذه الدار: لعلّ الظرف متعلّق بالإيثار بتضمين معنى الضنة أو نحوها؛
و في بعض النسخ: محمّد بدون الباء فتكون الجملة استئنافيّة أو مؤكّدة للفقرة السابقة أو حاليّة بتقدير الواو و في بعض كتب المناقب القديمة: فمحمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، و هو أظهر. و في رواية كشف الغمّة: رغبته بمحمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عن تعب هذه الدار. و في رواية أحمد ابن أبي طاهر: أبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) عرّت هذه الدار، و هو أظهر، و لعلّ المراد بالدار دار القرار، و لو كان المراد الدنيا تكون الجملة معترضة، و على التقادير لا يخلو من تكلّف. منه (ره).