مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٧٤٣ - (٦) باب شكواها (عليها السّلام) بعد خطبتها في مسجد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام)
فقالت: حسبي اللّه و نعم الوكيل. [١]
[١] ٢/ ٢٩٤ ح ٨، عنه البحار: ٨/ ١٢٣ (ط. حجر). قال المجلسي (ره): لا يخفى على ذي عينين: إنّ ما ألحقوه في آخر الخبر لا يوافق شيئا من الروايات، و لا يلائم ما مرّ من الفقرات و التظلّمات و الشكايات؛ و سنوضح القول في ذلك إن شاء اللّه تعالى، ثمّ قال:
و لندفع الإشكال الّذي قلّما لا يخطر بالبال عند سماع هذا الجواب و السؤال، و هو أنّ اعتراض فاطمة (عليها السّلام) على أمير المؤمنين (عليه السّلام) في ترك التعرّض للخلافة و عدم نصرتها و تخطئته فيهما، مع علمها بإمامته و وجوب اتّباعه و عصمته، و أنّه لم يفعل شيئا إلّا بأمره تعالى، و وصيّة الرسول (صلى اللّه عليه و آله و سلم)، ممّا ينافي عصمتها و جلالتها.
فأقول: يمكن أن يجاب عنه: بأنّ هذه الكلمات صدرت منها (عليها السّلام)، لبعض المصالح، و لم تكن واقعا منكرة لما فعله، بل كانت راضية، و إنّما كان غرضها أن يتبيّن للناس قبح أعمالهم و شناعة أفعالهم، و أنّ سكوته (عليه السّلام) ليس لرضاه بما أتوا به، و مثل هذا كثيرا ما يقع في العادات و المحاورات، كما أنّ ملكا يعاتب بعض خواصّه في أمر بعض الرعايا مع علمه ببراءته من جنايتهم ليظهر لهم عظم جرمهم، و أنّه ممّا استوجب به أخصّ الناس بالملك منه المعاتبة؛
و نظير ذلك ما فعله موسى (عليه السّلام)، لمّا رجع إلى قومه غضبان أسفا من إلقائه الألواح و أخذه برأس أخيه يجرّه إليه، و لم يكن غرضه الإنكار على هارون، بل أراد بذلك أن يعرّف القوم عظم جنايتهم و شدّة جرمهم كما مرّ الكلام فيه، و أمّا حمله على أنّ شدة الغضب و الأسف و الغيظ حملتها على ذلك مع علمها بحقّيّة ما ارتكبه (عليه السّلام)، فلا ينفع في دفع الفساد و ينافي عصمتها و جلالتها الّتي عجزت عن إدراكها أحلام العباد.
بقي هاهنا إشكال آخر، و هو: أنّ طلب الحقّ و المبالغة فيه، و إن لم يكن منافيا للعصمة، لكن زهدها (صلوات الله عليها)، و تركها للدنيا، و عدم اعتدادها بنعيمها و لذّاتها، و كمال عرفانها، و يقينها بفناء الدنيا، و توجّه نفسها القدسيّة، و انصراف همّتها العالية دائما إلى اللذّات المعنويّة و الدرجات الأخرويّة لا تناسب مثل هذا الاهتمام في أمر فدك، و الخروج إلى مجمع الناس، و المنازعة مع المنافقين في تحصيله و الجواب عنه من وجهين:
الأوّل: إنّ ذلك لم يكن حقّا مخصوصا لها، بل كان أولادها البررة الكرام مشاركين لها فيه، فلم يكن يجوز لها المداهنة و المساهلة و المحاباة و عدم المبالاة في ذلك، ليصير سببا لتضييع حقوق جماعة من الأئمّة الأعلام و الأشراف الكرام، نعم لو كان مختصّا بها كان لها تركه و الزهد فيه و عدم التأثّر من فوته.
الثاني: إنّ تلك الامور لم تكن لمحبّة فدك و حبّ الدنيا، بل كان الغرض إظهار ظلمهم و جورهم و كفرهم و نفاقهم، و هذا كان من أهمّ امور الدين، و أعظم الحقوق على المسلمين، و يؤيّده أنّها (صلوات الله عليها) صرّحت في آخر الكلام. حيث قالت:
«قلت ما قلت على معرفة منّي بالخذلة» و كفى بهذه الخطبة بيّنة على كفرهم و نفاقهم؛