مستدرك عوالم العلوم و المعارف - الشيخ عبد الله البحراني الأصفهاني - الصفحة ٦٤٠ - (٣) باب انطلاق فاطمة بأمر عليّ (عليهم السّلام) إلى أبي بكر لإعادة حقّها في فدك، و احتجاجها
إنّ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه هو صدقة» و هذا أيضا لا يصحّ.
فالوجه فيه: أنّ الّذي تركناه من حقوقنا و ديوننا (فلم نطالب في حياتنا و نستنجزه قبل مماتنا، فهو صدقة) على من هو في يده من بعد موتنا، و ليس يجوز لورثتنا أن يتعرّضوا لتمليكه، فإنّا قد عفونا لمن هو في يده عنه بتركنا قبضة منه في حياتنا، و ليس معناه ما تأوّله الخصوم.
و الدليل على ذلك: أنّ الّذي ذكرناه فيه موافق لعموم القرآن و ظاهره، و ما ادّعاه المخالف دافع لعموم القرآن و مخالف لظاهره، و حمل السنّة على وفاق العموم أولى من حمله على خلاف ذلك، و اللّه وليّ التوفيق. و الحمد للّه ربّ العالمين و صلواته على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين.
و أقول: بعد تمام هذه الرسالة الثمينة، ننقل مناظرة الشيخ الأجلّ الإمام المفيد (قدّس اللّه نفسه الزكية) أيضا مع عليّ بن عيسى الرمّاني في شأن فدك؛
الفصول المختارة من العيون و المحاسن: ٢/ ١٠٦- ١١١: ما هذا لفظه:
و من حكايات الشيخ و كلامه، قال الشيخ أيّده اللّه: حضرت مجلسا لبعض الرؤساء و كان فيه جمع كثير من المتكلّمين و الفقهاء فألفيت أبا الحسن عليّ بن عيسى الرمّاني يكلّم رجلا من الشيعة يعرف بأبي الصقر الموصلي في شيء يتعلّق بالحكم في فدك و وجدته قد انتهى في كلامه إلى أن قال له:
قد علمنا- باضطرار- أنّ أبا بكر قال لفاطمة (عليها السّلام) عند مطالبتها له بالميراث «سمعت رسول اللّه يقول:
نحن معاشر الأنبياء لا نورّث» فسلّمت (عليها السّلام) لقوله و لم تردّه عليه، و ليس يجوز على فاطمة (عليها السّلام) أن تصبر على المنكر و تترك المعروف و تسلم للباطل لا سيّما و أنتم تقولون إنّ عليّا (عليه السّلام) كان حاضرا [في] المجلس و لا شكّ أنّ جماعة من المسلمين حضروه و اتّصل خبره بالباقين فلم ينكره أحد من الامّة، و لا علمنا أنّ أحدا ردّ على أبي بكر و أكذبه في الخبر، فلو لا أنّه كان محقّا فيما رواه من ذلك لما سلّمت الجماعة له ذلك فاعترضه الرجل الإمامي بما روي عن فاطمة (عليها السّلام) من ردّها عليه، و إنكارها لروايته، و خطبتها في ذلك و استشهادها على بطلان خبره بظاهر القرآن، و أورد كلاما في هذا المعنى على حسب ما يقتضيه و اتّسعت له الحال.
فقال عليّ بن عيسى: هذا الّذي ذكرته شيء تختصّ أنت و أصحابك به، و الّذي ذكرته من الحكم عليها شيء عليه الإجماع، و به حاصل علم الاضطرار، فلو كان ما تدّعونه من خلافه حقّا، لارتفع معه الخلاف و حصل عليه الإجماع كما حصل على ما ذكرت لك من رواية أبي بكر و حكمه، فلمّا لم يكن الأمر كذلك دلّ على بطلانه.
فكلّمه الإمامي بكلام لم ارتضه، و تكرّر منهما جميعا، فأشار صاحب المجلس إليّ لأخذ الكلام فأحسّ بذلك عليّ بن عيسى، فقال: إنّي قد جعلت نفسي أن لا أتكلّم في مسألة واحدة مع نفسين في مجلس واحد فأمسكت عنه و تركته حتّى انقطع الكلام بينه و بين الرجل.
ثمّ قلت له: خبّرني عن المختلف فيه، هل يدلّ الاختلاف على بطلانه؟